الحقائق
في الصور!
الكادر
لم
يتغير الأسلوب لأن بعض النفوس لم تتغير أيضا!
كلنا يعي
حقيقة قوة الدعاية في الحروب والسياسة، وكلنا يعلم أن للدعاية وجوه عديدة
كالأقاويل والقصص والأكاذيب ومقالات الصحف،والمسرحيات والتصوير والسينما، وإفتعال
أحداث عرضية بواسطة مجندين تجيّر عينا أو نتائجها للدعاية، وأخيرا وليس آخرا
إستئجار الأقلام.
والأصل في
الدعاية أن تتغير وجوهها وفنونها بإستمرار، أما كي لا يكتشف المعني الموجهة له،
مضامينها، أو لتفقده أعصابه فيسلم بما يراد له بعد أن يرى نفسه عاجزا عن درء كل
هذا السيل العارم من الأكاذيب التي تنهال عليه.
والفرع في
الدعاية هو معرفة الموجهة إليه. فإذا كان واعيا محنكا، إشتدت وتغيرت وجوهها
ومضامينها بوتيرة عالية. وإن العكس، ولتقليل التكاليف، أبقيت الأساليب التي سبق
وإنطلت عليه، أو ألهي بأفلام الجنس وأغاني الروك (وحاليا) البوب.
وهكذا كانت
الدعاية الموجة لكل الشعوب التي أستهدفت، وخصوصا في التاريخ الحديث.
وهكذا كانت
الدعاية الموجة ضد الشعب العراقي تحديدا، ومنذ ثورة تموز المجيدة في عام 1958. سوى
فارق بسيط وهو ميل واضح لإبقاء الأساليب الأرخص والأتفه في التعامل معه دعائيا،
بحيث وبسبب التكرار حد الملل، يمكن حصر المعالم الأهم لهذا التعامل في: تعميق
الإعتراف بالقصور العصري والعزف على وتر الدين وإفتعال الأحداث بواسطة المجندين،
وإستغلال الأقلام ذاتها، أو الأقلام التي لها الأساليب ذاتها.
وفي حالة
الأقلام الأجيرة، نذكر مثالين، هما ربما الأنصع في حالة العراق الحديث. السيد حسن
علوي، والدكتور منذر الفضل، اللذين ليس لا يتهيبان من كونهما خريجي مدرسة النظام
المنقلبان (حتى اللحظة) ضده فحسب، بل لا يتهيبان أيضا من أن أسلوبهما هو فظل
(حثالة) عفا عليه الزمن ومنذ الستينات، أو هو الفظل (الحثالة) الوحيد الباقي من
تلك الأزمنة السوداء التي إشتط بها معادوا العراق، المنساقون مع دعاية السنتو
والناتو.
فحسن علوي،
هو حصرا ذلك الشخص الذي إعترف أن رجولته بقيت عند رئيس النظام السابق، وهو الذي
مدح خصاله التي لا تنقطع، وحسن هو ذاته الذي مدح كلبي المفروض أنه عدو صدام، وحسن
ذاته هو الذي سيمتدح وزير إعلام الكويت (أي وزير لا يهم) الذي سيمول الجريدة
الجديدة (ربما سومر) بعد نكبة الكلبي.
وبالمناسبة،
فقد إمتعض إخوة لإصراري على تسمية (( كـَـلـَـبي)) وإعتبروها إهانة. بينما هي
العكس. فنحن لا نستطيع كتابة حرف ch الدخيل على العربية. لذا، سنكتب لقبه على شكل: (( جلبي )). ومع شديد الحياء
والأسف، فكلمة ((جلب)) في كل وسط أسيا وتركيا تعني (( عاهرة )) من أدنى مستوى.
وأنا أجل الدكتور أحمد عن الدعارة، ما عدى السياسية طبعا. لذا، فإنسابه إلى الكلاب
خير من إنسابه إلى عاهرات. وفتح الحرفين الأولين من (كَلَبي)، إشارة لإستكلابه في
خدمة الغزاة، سابقا، ورخصه لاحقا حيث سيُسلمه أسياده الغزاة إلى الأردن تسليم
الكلاب.
أما القلم
الآخر، الدكتور منذر الفظل، فهو عينه ذلك السيد الذي حين يكتب بإسمه الحقيقي يشتم
النظام الذي صنّعه ودفعه إلى إمتهان الإغتراب المقصود. وحين يكتب بإسمه المستعار
فليس له غير مفهومين يعزف عليهما وهما: (( حرية ولبرالية الغرب )) و: (( تحرير
العراق من ،، )). وربما سيبقى الدكتور الفظل يردد هذين المفهومين كلما كتب بإسم
(حيدري) أو غيره، حتى ينتهي به المطاف إلى ما إنتهى إليه مسؤوله المباشرة في
المشروع الأمريكي – الكلبي. سوى أمر جديد بدأ يطرقه الدكتور الفظل هذا، وهو العزف
على الطائفية. وكأنه لا يستطيع التخلص مما تربى عليه. فحين كان مع النظام شتم
القوميات غير العربية، وحين إمتهن المعارضة يلوح الآن بسلاح إسمه (محاربة
الإستعراب) فيشتم كرديا يكتب باللغة العربية الفصحى، ويتهدد من لا يؤمن برجاحة عقل
الطرزان.
والمِعلم
الثاني اللامتغير، في الدعاية الموجة إلى العراق هي الأحداث المفتعلة. وأهمها
وأوضحها – الفرهود، الذي يرافق كل خطوة حادة ينجح بها المعنيون ضد الشعب العراقي.
وكلنا شاهد الفرهود المقصود الذي نظمه مجندون لا وجوه لهم.
والثالث -
العزف على وتر الدين، وهو معلوم أيضا وله رادوده ومفتيه الأعظم – عائلة الحكيم،،
العائلة الأشد إخلاصا لمجمع الحكماء الذي صاغ دعاية (( بس هالشهر ماكو مهر )) و ((
تمزيق القرآن )) و: (( الله في قفص الإتهام )) وغيرها.
أما آخر
المعالم اللامتغيرة في الدعاية ضد الشعب العراقي، فهو تأصيل القصور الحضاري ومن
خلال تكرار الإسطوانة المشروخة (( إن الوقت الحالي يتطلب تركيز الجهود على ،، ))
وهي الإسطوانة التقليدية التي يستخدمها النظام العربي عموما في تكميم الأفواه
أيضا.
ومنذ أيام
ونحن نتابع الصور التي ينشرها الأستاذ نوري العلي.
ولا أنكر
بإني أكبر المتحفظين على هذه الصور، لإنتقائيتها، حيث نشر صورتين للسيد السستاني
وحكيم وعلق عليها ((العلماء العقلاء)) ليرمي ضمنا نظيرهما (الصدر) وكل من يعارض
سياسة حكيم تحديدا باللاعقلانية، ولكون الصور من إنتاج رويتر – الوكالة الأكثر
تبعية للنظام الإستعماري العالمي، ولكون هذه الصور ملتقطة بزوايا وخلفيات منتقاة
بحرفية عالية مما لا يشير أنه صور عشوائية وحصلت آنيا فإلتقطها مصور عابر. ووكالة
رويتر بالمناسبة هي الناشر الأساس للحظة نزول نل آرمسترونج على سطح القمر. اللحظة
التي تبين الآن أنها لم تحصل مطلقا، أو حصلت ولكن في ستوديوهات وكالة المخابرات
المركزية الأمريكية. ووكالة رويتر هي أيضا المصدر الأهم لمزحة حرب النجوم التي
أطلقها ريغان. أي أن وكالة رويتر هي المتمرس الأخطر في فبركة الوقائع. ولابد من
تمعن بما تنشره!
كما، ولابد
من سؤال مشروع أيضا وهو ضمن التحفظات، أين هي مقابر الأنفال الجماعية التي قيل أن
عدد المقتولين فيها ناهز الـ180 الف مواطن، وهو عدد لابد وسيشتمل على مقابر وجثث
أكثر بما لا يقل عن 500 مرة من تلك التي للنظام وإكتشفتها رويتر حديثا. ثم لم تجري
التعمية على إبادة حلبجة، ولم لا يجري الحديث عن إبادات حكيم؟ أنسينا ما كتب على
موقع (كتابات) خلال الشتاء من أنه أباد ما لا يقل عن 700 أسير؟ أين مقابر هؤلاء؟!
المهم، مع كل
هذه التحفظات، فأنا شخصيا أو أي من الإخوة كتاب التيار المعادي للإحتلال والمنادي
بمقاومته، لم يثر أية ملاحظة بوجه الأستاذ نوري العلي.
وعن نفسي،
فكشف هذه الصور على أكبر عدد من الملأ خير من تداولها سريا. على الأقل
مقارنة بتلك الصورة التي نشرتها الدعاية الأمريكية عن سمكة مكتوب على جسدها بالخط
الكوفي الصريح (لا إله إلا الله) التي تم
تداولها عام 1962 وعام 1965 وغيرها. لأن التداول البيني أكثر تأثيرا، حيث
سيتداولها متعارفون لابدهم مؤمنون بها، فتكون دافعا شديدا لهم. بينما عرض الصور
على الملأ يتيح إمكانية تفنيدها، أو نقدها على الأقل.
وتجاه الأستاذ
نوري العلي أو الخفاجي أو الركابي، لم يفعل الزملاء في التيار المعادي للإحتلال،
كالأستاذ فرات العلوان أو الأستاذ مظفر الخميسي أو غيرهم ممن لا تحضرني أسماؤهم،
لم يفعل هؤلاء سوى أنهم نقدوا الصور أو كشفوا عن صور تدحض ما تتوخاه صور الأستاذ
العلي أو الخفاجي الذي بدأ ينشر الصور مؤخرا. وبالمقابل كتب الأستاذ الخفاجي
مقالين جرد بالأول الخميسي وعلوان من وطنيتهما، وفي الثاني، تراجع فطلب منهما أن
يركزا على دموية صدام ومقابره، بحجة أن الوقت الحالي يتطلب هذا.
وحجة أن
الوقت الحالي يتطلب هذا وليس غيره، هي المقابل الفاقع، للقول: (( إن الوقت لم يحن بعد )) أو ((
إن المرحلة التي تمر بها الأمة العربية، أو يمر بها الحزب الفلاني، تتطلب رص
الصفوف والتركيز على ،، )) أو (( إن أعرافنا لا
تسمح بذالك )) ،الخ من الجمل التي تؤصل في النفس قصورنا وتأخرنا عن العالم
المحيط، والتي بدأت تضاف إليها، بدعة هي الأرخص في تاريخ الدعايات، وهي القول: (( إن خروج الأمريكان سيمهد إلى حرب أهلية أو إلى إستيلاء
البعث على السلطة من جديد )) وكأننا لم نكن يوما ما بلا محتلين أمريكان،
ولا حكم في تاريخ العراق لغير البعث.
وكمثال، وحين
نوقشت مسألة الإنتخابات في السعودية، إعترض صاحب رأي قائلا: (( إن شعبنا لا يفهم الديمقراطية وأن المرحلة مبكرة جدا على
إجراء إنتخابات ،،)) وصاحب الرأي هذا نسي أن خادمته الفلبينية التي يتهمها
بقلة العقل وأنها من قوم لم ينورهم الله بنور الإسلام،،الخ، أن هذه الخادمة نذهب
إلى وطنها لتشارك بالإنتخابات ثم تعود إلى خدمته!
وهنا، ولعلم الأستاذ الخفاجي وغيره،
أن الشعب العراقي وكتابه الوطنيين، لا ولم يجهلوا ولو لحظة أن النظام دموي فاشي
قاتل سفاح سواء في 1963 أو منذ 1968 وحتى يوم نهايته. والتركيز على مظالمه الآن
دون غيرها، لا يضيف جديدا لتقيمات القوى الوطنية العراقية، ولا يقلل من دوافع
محاربة الدكتاتورية والفاشية، سواءً لهذا النظام أو لكراكيز المعارضة المسايرة له،
أو ما نسميه – المعارضة الستة. ومن هنا فإدعاء الأستاذ الخفاجي، في مقاله الثاني
(كتابات) بأن الهدف من ألحاحه
على الخميسي وعلوان هو (( الكف عن نشر الصور التي تحرف
أنظار القراء عن الهدف الحقيقي الآني لكل الخيرين وهو التركيز كل التركيز على
العدو الأول والأخير ألا وهو النظام التعسفي المنهار وأعوانه الذين يجاهدون
في سبيل أستعادة سيطرته على أرض الرافدين من جديد )) هذا الهدف لا يعني
الوطنيين، أو هو لا يعني الذين لهم هدف أسمى وهو العراق. والعراق أسمى ولاشك بألف
مرة من الإنتقائية بفضح جلاديه ومبيديه. ونحن لا نؤمن مطلقا بأن المذابح التي
ينفذها المحتلون ضد شعبنا، هي بركة من الرب بينما مذابح صدام هي نقمة. كل المذابح
سواء ولابد من فضحها جميعا.
ولا ضرورة
لأن تنطلي هذه اللعبة الدعائية المملة التكرار على الجميع، خصوصا من تابع الوضع
العراقي منذ الخمسينات.
ناهيك عن أن
هذه الإنتقائية تديرها آلة إعلام كوكالة رويتر، التي يبدو أنها نحجت فعلا، فجعلتنا
لا نأبه كثير للصرخة الأليمة التي أطلقها الأستاذ محمد الغزالي (كتابات) حين نشر
صورة تنصيب محافظ كركوك الكردي، قائلا: (( أنه وقف يؤدي اليمين رافعا يده اليمنى على الطريقة الأمريكية، بينما يجلس
الجنرال الأمريكي متطلعا الى القاعة بنظرات فيها كل غطرسة المحتل ))
ومن هنا أيضا فنصيحة الأستاذ الخفاجي الأبوية، لفرات ومظفر في: ((أن توظفا
جهودكما الأبداعية في الأعلام بالتأكيد على فضح جرائم النظام المنهار كما يفعل علي
نوري وجميل صالح وعادل الركابي وغيرهم من المثقفين الذين يكرسون كل أبداعاتهم
لتوجيه أصابع الأتهام أولاً وآخراً نحو المسبب الحقيقي للأحتلال البغيض )) هذه
النصيحة مردودة.
مردودة، على الأقل من جانب أنها هي الأخرى تكرار ممل لمناشدات تصب في
الإتحاه ذاته الذي تصب فيه دعايات رويتر، وأنها لا تنطلي إلا على قليل الوعي، الذي
لم ينتبه أنه عرضة لدعاية لم يتكلف مطلقوها حتى بتجديد شكلها ولو من قبيل التعتيم.
بل ولماذا التعتيم، إذا بقي الجهل سيد الموقف؟!