المُتأمركين الجُدد , ومُشكل عدم المبدئية ( عقدة الدونية )

د احمد الاسدي

 

منذ فتره ليس ببعيدة , وبالتحديد , إذا لم تخوننا الذاكرة , في أواخر عام 2007 , حذرنا مِنْ أًنَ الولايات المتحدة الأمريكية , عازمة على تغيير أصول لعبتها  في العراق ,  وانتهاج  تكتيك إستراتيجي جديد , ترمي من خلاله , إنقاذ  استمرارية مشروعها ألاحتلالي , بعد أنْ بانت عليه , بوادر علامات أمراضية التعثر والوهن , ولكن , بشرطية عدم المساس بجوهرتيه , وان الإقدام على هذه الخطوة , لم يأتي عن فراغ , وإنما كنتيجة إجبارية , فرضتها أخطاء تقديراتها , وقراءاتها للواقع العراقي , قبل وبعد الغزو , مضافا إليه , تخبط قرارات حاكمها المدني السابق بريمر , والطريقة الفوضوية , التي تعامل بها , مع مرحلة ما بعد السقوط و التغيير, والتي أغرقتها , في وحل المستنقع ألتعثري , وبالتاء كيد , كان لفعل ضربات المقاومة العراقية المسلحة , خلال السنوات الثلاث الأولى , مِنْ عنفوان انطلاقتها العفوية , الغير متوقعه , من الأمريكان , والذين قدموا معهم , الأثر الحاسم والمحوري ,  الذي دفعهم , إلى إعادة حساباتهم , وتقييم سياستهم , من جديد  , وبالتالي أجبرتهم للرضوخ , إلى الأمر الواقع , و التخلي عن مشروعهم الشرق أوسطي الكبير , و عنجهية الاستكبار , وسياسة التهديد والوعيد , التي طالما أدمن , على التغني بها , قادتهم السياسيين والعسكريين , وقلنا في حينه , إن التكتيك الأمريكي القادم , سيراهن على إستراتيجية , تجميل الوجه الأمريكي العدواني القبيح , وإظهاره بصورة الملاك المُقدس , المُرسل بإرادة الرب , لحماية العراق والمنطقة , من الخطر الإيراني وتهديداته , واللعب على وتر ثقافة شيطنة النظام الإيراني , على غرار ما فعلته , مع نظام حكم الراحل صدام حسين , خلال مرحلة الإعداد والتهيؤ ,  لمشروع غزو واحتلال العراق , حيث أطلقت العنان للثور الإيراني الهائج , وتركت الحبل سائبا , إلى مشروعه المتنامي , ليفعل فعلته , بالشارع العراقي , سواء عن طريق التدخل المباشر , من قبل عناصره المتخفية , تحت مسميات مختلفة بالداخل , أو بالنيابة , بواسطة الموالين لمشروعه , من المحسوبين , على حكومة بغداد وبرلمانها , والمليشيات المسلحة المنفذة  إلى أجندته ,  ولقد هيئت لهذه التغيير , أرضيه فكريه خصبه , كان للورقة المذهبية والاحتراب الطائفي , الأولوية فيها , واستغلال حالة التناقض , والتخندق الفكري والمذهبي , الطاغية على المشهد العراقي ,  حيث جندت لذلك , آلتها الإعلامية الضخمة , ومعها الإعلام العربي المتصهين  , السائر بركاب مشروعها ,  مستغله بذلك , الغباء والقصور الفكري , عند البعض ,  ممن نصبوا أنفسهم , على غفلة , من الزمن , سيوف على رقاب العراقيين , سواء كانوا من المُتأمركين القدامى , المنطوين معهم , في العملية السياسية الإحتلالية  , أو المُتأمركين الجدد ’ من المعارضين , ومدعي المقاومة السلطويين , الباحثين عن الكرسي , على حد السواء.

بصراحة , وبعيدا عن التبجح , لقد أثبتت الأيام , صحة ما ذهبنا إليه , من رؤى وقراءه , لماهية الخطوة الأمريكية المقبلة , ورهانها المستقبلي , على كسب جولة البقاء والاستمرارية  لمشروعها  , حيث انبطح , وكما كنا نتوقع , الكثير من مدعي المقاومة والتمرير , في شباك المخطط الأمريكي , وخصوصا , ضحايا الايدز الفكري , والشيزوفرينيا السياسية  , وانقلبوا على أنفسهم , بل الأكثر من ذلك , هو اندفاعهم المتغابي بالسذاجة , إلى اختلاق الأعذار والمبررات الكاذبة , لإيهام أنفسهم , بصحة موقفهم الانقلابي  المهادن , إلى أمريكا  ومشروعها  في العراق والمنطقة , والدفاع عنه , بصلافة , ووقاحة , عيون عاهرات , إحياء التسكع الفكري  وحاناتها , حيث , لن يمر يوم , على قنواتهم الفضائية , ومنابرهم المسموعة , ومواقعهم الكتابية , من دون أن يرموا قاذوراتهم اللفظية , وتقيئهم الفكري الصديدي المهزوم , على فصائل المقاومة الثابتة , على موقفها المبدئي , في مواجهة الاحتلال الأمريكي _المتصهين  ومشروعه , في العراق وفلسطين ولبنان , وتوصيفها بالصفوية والعميلة , إلى إيران , حتى أوغلوا في غيهم وتخبطهم الانهزامي , فما عادوا يعرفون , أين يضعون أقدامهم المرتجفة , فتارة يهاجمون مقاومة أبطال غزه وحماس , ويقفون بخندق العهر المصري المساوم , وتارة ينتقصون من انتصارات رجالات المقاومة اللبنانية المجاهدة وحزب الله , ويلتحفون بعباءة أل سعود القذرة والصهيونية  ,  وتارة أخرى , عندما يفلسون و تضيق بهم انهزاميتهم , فلم يجدوا غير الافتراء والتلفيق , والخوض بغائط هم الطائفي النتن , للنيل من فتية عصائب أهل الحق  ومقاومتهم , التي دكت مضاجع المحتلين , في المنطقة الخضراء وكربلاء والديوانية والبصرة والعمارة والكوت والناصرية , وأذلتهم حتى ركعوا خانعين صاغرين  لشروطهم , في فك اسر قائدهم  ورفقته من المجاهدين .

المُشْكل عند المُتأمركين الجُدد , ( وهنا أؤكد على مفردة , مُشْكل وليس مشكله , لان المشكلة حسب ما يراها كاتب السطور , وليس من الضرورة , أن يتفق معه الآخرين , تخلقها الظروف المحيطة بالإنسان , وتفرض نفسها عليه ,  بينما المُشْكل , يولد مع الإنسان , ويبقى ملازم له , وهو اقرب إلى ما يطلق عليه طبياً  Congenital Anomalies )  , عدم المبدئية ( أهلنه , يسموه عقدة الدونية , والدوني يبقى دوني وما يبدل طبعه , لو ينزل نبي جديد ) , والانقلابية على المواقف , و ثقافة عقلية البحث عن الكرسي , على حساب الثوابت الوطنية والأخلاقية , حتى وصل بهم الانحدار أخيرا, ليكونوا أبواقاً للمشروع الأمريكي , وأدوات رخيصة , لتنفيذ أجندت تجميل وجهه ألاحتلالي القبيح , والتقليل من جرائمه , وخطورة دوره , في احتلال وتدمير العراق , والتركيز على التدخل والدور الإيراني فقط  , تحت يافطة سذاجة وهمية , إن الأمريكان أصحاب مشروع اقتصادي  , باحث عن النفط ومصادر الطاقة , وليس لهم مطامع أخرى , وإنهم راحلون عاجلا أم آجلا , وعليه , يجب التوقف عن مقاتلتهم , بل ذهبوا إلى ابعد من المهادنة والمساومة , بالدعوة الصريحة , إلى الاصطفاف و التخندق معهم , في خندق واحد , لمواجهة ما يسمى بالتحديات والتهديدات الفارسية الصفوية , حسب توصيفهم .

لو أغضضنا الطرف وبمرارة , ( ليس اقتناعا , ولكن من اجل إسقاط حجة المدعين , ورميها في مزابل الحوار) , عن الجرائم الأمريكية , التي ارتكبت بحق الشعب العراقي , ابتداءً من جريمة الإبادة الجماعية , للقوات العراقية المنسحبة من الكويت , بعد وقف إطلاق النار في شباط 1991 , سواء على طريق الموت المطلاع _سفان , أو صحراء الزبير وصفوان والرميلة والبرجسية  , التي دفن بها الجنود العراقيين , في مواضعهم وهم أحياء , مرورا بجريمة إبادة الجنس البشري , التي تمت بواسطة الحصار الاقتصادي المقيت , الذي طال الحيوان قبل الإنسان , والطفل والشيخ والنساء , قبل الرجال , بجانب الضربات الجوية العشوائية ,  التي كانت تستهدف البنى التحتية للعراق , طيلة السنوات التي أعقبت عام 1991 , وانتهاء بجريمة الغزو 2003 والتي راح ضحيتها أكثر من مليون إنسان ( والحبل على الجرار ) , وتدمير مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والاجتماعية , والإطاحة بنظام اقتصادي  وتعليمي وثقافي , وتشريد وتهجير شعب , واستباحة كرامته وهتك أعراضه , ونهب خيراته , وتدمير حضارته , ناهيك عن الدور الأمريكي المحوري , في إدامة زخم الحرب العراقية الإيرانية , واستغلال ظروفها , من اجل إنهاك وإضعاف البلدين , في ذلك الوقت , عملاً بنظرية , إن لا استقرار في المنطقة , إلا بتوازن استراتيجي , بين العراق وإيران , وان الحرب كان لابد من استمراريتها , لخلق هذا التوازن , ومن ثم التحكم بتوقيت وقف إطلاق النار فيها ,  بدون تفوق إحدى الطرفين على الآخر , وبنتيجة لا غالب ولا مغلوب , مستغلين بذلك , القصور الوطني والسياسي , لدى قيادتي البلدين , في حينه , وتغليبهم لعدائهم الشخصي , على المصلحة الوطنية , وذهبنا مع المتأمركين الجدد , إلى عتبة أبواب تنظيرا تهم , عملا بالمثل العراقي ( إتبع الجذاب إل باب بيته ) , أو ليس من حقنا , أن نتساءل وبمشروعيه , لطالما الأمريكان , ليس لهم أطماع في العراق , وليس في نيتهم احتلال أرضه , ونهب خيراته , وان مشروعهم , لا يتجاوز الحفاظ , على مصالحهم الاقتصادية , وتأمين مصادر إمداداتهم بالنفط , ولا يمتلكون , إي مشروع احتلالي آخر , إذن لماذا دخلنا الحرب  , من البداية , وقبلنا التحدي , ورفعنا السلاح , وانتهجنا طريق المقاومة , وتاجرنا بالشعارات , وجعلنا من العراقيين حطبا لنار حرب , لا نهاية لها ؟ , وأين ذهبت شعارات العداء للامبريالية والصهيونية , و خطابات الصمود والتصدي  , للمشاريع الأمريكية , وماذا حلً  بفيالق ( فوت بيه وعلى الزلم خليه ) التي أصدعت رؤوس العراقيين بأناشيد العداء إلى أمريكا وإسرائيل , وأين وأين وأين............... ؟ وما الذي تغير في المعادلة ,  لتصبح أمريكا بين ليله وضحاها ,  , المنقذ والمخلص الرباني , الذي يجب عدم التفريط به , بل يجب الاعتذار منه , وعدم تحميله مسؤولية , ما حل بالعراق , وان كل ما أقدم عليه الرب الأمريكي  , من جرائم أصبح , وبقدرة قادر , يصب في مصلحة العراقيين , وما علينا , سوى التقرب والارتماء , في أحضانها والتضرع إليها ؟

بالتأكيد , سيتهم  المُتأمركين الجُدد , وأصحاب العقدة الدونية  ,  كاتب السطور , بالانحياز إلى المشروع الإيراني ومحاولة التقليل من مخاطره , والتغاضي عن تدخلاته بالشأن العراقي , والتركيز على المشروع الأمريكي فقط  , وربما تأخذهم ألعزه بالإثم , ويذهبون بعيدا  بالاتهام الجاهز له, كالعادة , بالصفويه والانحياز المذهبي والطائفي , فلا يهم ’ ما سيذهبون إليه ,  من الأمر بشيء ,  وليملئوا بطونهم , من مياه بحرهم الميت , الذي لن ولن يتطهروا , من عار خيانتهم , على منتجعاته , إلى يوم يبعثون , ولكن , لا ضير من توضيح الحقائق , والحديث عن واقع , وليس ادعاء , فإيران دولة لها مشروعها الإمبراطوري الفارسي , الذي يتعدى حدود الإسلام والتشيع , و لتثبيت دعائم هذا المشروع , تستثمر كل فرصه تتاح لها و تعمل المستحيل , من اجل تنصيب ودعم حكومات مواليه لها , في البلدان المجاورة , وفي مقدمتها العراق , الذي وجدت فيه البيئة المناخية الملائمة  لمشروعها , والتي خلفتها , تداعيات الاحتلال الأمريكي , والتخندق الطائفي والمذهبي والعرقي , في تركيبته الديموغرافية , وانعدام المشروع الوطني العراقي الناتج , من حالة الشتات التي تعيشها الشخصية العراقية , وضياع هويتها الوطنية , ومستغله أيضا , حالة تداخلها المذهبي , مع الأغلبية الشيعية فيه , كل هذا شجعها على استهواء اللعبة الأمريكية , واستغلال نقاط الضعف فيها , وتجيرها لصالحها ,  والاتخاذ منها كورقه ضاغطة , حيثما أرادت , لتمرير ملفاتها المتعثرة  هنا وهناك , وفي المقدمة منها , الملف النووي وال تسليحي , وملف حقوق الإنسان والحريات , الذي يحاول الغرب إثارتها بين الحين والأخر , وفي نفس الوقت , عملت على تحييد  كل دول الخليج العربي , ومن ضمنها العراق , إن لم نقل ترويضها , وإخراجها من حلبة الصراع , وأجبرتها على القبول بالمهادنة , والإقرار بنتيجة ما سيسفر عليه , مشروع تقاسم الغنائم الأمريكي _ الإيراني بالمنطقة , الذي طالما تبادلا غمز الغزل بشأنه ,  قبل غزو 2003 , وتعمقت جذوره بعد الاحتلال , بالرغم  من حالة المد والجزر , الذي رافقته , وهذا شيء طبيعي , ومن أبجديات لعبة شد الحبل , فكل طرف يحاول , أن يحصد المنافع الأكثر, ويتصرف حسب ما تمليه عليه باراغماتية مصالحه, ولكن , هناك نقطه في غاية الأهمية , وهي محور سطورنا ,  إن كلا الطرفين ,  قد وضعا في حساباتهم , لحظات احتمالية التقاطع التام , وعدم الالتقاء والتصادم , وعليه عمل كل منهم , على تهيئة مصدات الحرب بالوكالة  , ومن هنا , يبرز الدور المستقبلي المرسوم ,إلى المتأمركين الجدد , لتهيئة الرأي العام في الشارع , للدفاع عن المشروع الأمريكي المتصهين , والدخول في مواجهه مباشره , مع إيران , على غرار حرب ألثمان سنوات 1980 ,  وتسميمه بالشحن الطائفي والمذهبي , وزجه في مصيدة الاقتتال الداخلي , الذي يكون وقوده العراقيين , والمستفيد  منه , من يريد إلهائهم , عن حقيقة  ما خطط ويخطط له , الموساد الصهيوني , وأحلامه التوراتية اليهودية , في ارض الميعاد ودول إسرائيل الكبرى.

 

6   شباط 2010