الرأي قبل شجاعة الشجعان

هو أول وهي المحل الثانــي

    د. جمال الحسيني أبوفرحة

  أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد بجامعة طيبة بالمدينة المنورة

                                                                                                                               gamalabufarha@yahoo.com

 

بيت لأبي الطيب المتنبي يحتاج من أمتنا إلى وقفة؛ فكثيرا ما نعمد إلى شجاعة الشجعان دون رأي، أو ترو، وأحيانا دون إيمان بما نقول ونفعل؛ وكأن شجاعة الشجعان لا تهدف إلى تحقيق الهدف المعلن؛ وإنما إلى أمور شخصية أخرى، هي أبعد ما تكون عن المصلحة العامة؛ وكأن لسان حال هؤلاء قول قيس بن الخطيم:

إذا أنت لم تنفع فضر*** فإنما يرجى الفتى كيما يضر وينفع

ولعل أبرز المواقف الراهنة التي تجلت فيها تلك الشجاعة الزائفة، هو موقف كثيرين من الرسومات المسيئة لنبينا الكريم - عليه أفضل الصلاة والتسليم-  حيث تجلت سذاجة الشجعان في ثلاثة مظاهر:

 

الأول: مظاهرات عنف وحرق وتدمير؛ مما أظهر المسلمين في صورة غاية في السوء؛ وكان الأولى بنا وقد التفتت أنظار العالم إلينا ألا نريهم أسوأ ما عندنا، بل أحسنه؛ فتكون مظاهراتنا مظاهرات إعلام بحقيقة ديننا وسماحة نبينا فتتضافر الجهود لترجمة وطبع ونشر كل ما يسهم في ذلك، ولو أردنا من ذلك ربحا ماديا لحققناه؛ لقد خلت مكتبات الغرب في تلك الآونة من مطبوعاتنا؛ لشدة إقبال أهله على كل مطبوع عن الإسلام؛ ذلك الدين الذي غدا حديث العالمين؛ فأفسح تقصيرنا الطريق لمطبوعات مشبوهة تفاقم الأزمة وليس لنا إلا العويل؛ ولو أنا أحسنا التصرف وانتهزنا الفرصة وهديناهم إلى الطريق المستقيم، لانقلبت الفتنة إلى منة من الله لنا ولهم؛ وصدق رسولنا :"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر" . . رواه البخاري ومسلم . . وفي رواية : "بأقوام لا خلاق لهم". . رواه النسائي وأحمد.

 

الثاني: المناداة بالمقاطعة الاقتصادية على المستوى الرسمي، دون درس أو تفكير؛ وكأني بهؤلاء يعتقدون دوما أن كل تعامل اقتصادي مع الآخر يكون فيه الآخر هو المستفيد الأوحد أو على الأقل الأكبر؛ ولنا المنة من ثمة عليه، سواء كنا مستوردين أو مصدرين! ويا له من تفكير عجيب! ويا ليت الأمر وقف عند هذا الحد! فظهرت قوائم بالمقاطَعين، وطفق كثيرون يصورون ويوزعون هذه النشرات دون تثبت للتأكد من صحة ما ينشرون! فلعب التنافس الاقتصادي غير الشريف دوره في استغلال سذج الشجعان لتحقيق مآربه! وكان ينبغي على هؤلاء الترو وسؤال أهل الاختصاص بجدوى المقاطعة، سواء الرسمية أو الشعبية ومآلها علينا؛ فإن أشاروا بإحداهما أو كليهما وأشادوا، كان عليهم التثبت من أسماء الشركات والبضائع التي يقاطعون ويحاربون.

الثالث: المطالبة بإصدار تشريعات تحجر على الأفكار، وتكمم الأفواه، وتأد الحريات؛ بدعوى تجريم ازدراء الأديان، وما لهم به من علم، والحمد لله أن عقلاء الغرب لم يستجيبوا لهم؛ فلو استجابوا لطالبونا أول ما يطالبون، بحذف كثير من آيات الذكر الحكيم، وكثير من سنة نبينا عليه أفضل الصلاة والتسليم؛ فيا أيها الغافلون، ألم يرد في قرآننا وصف لليهود بالحمير! الجمعة:5 وتشبيه للكفار بالأنعام! وبأنهم لا يعقلون! الفرقان: 44؛ وكان على هؤلاء التفريق بين المطالبة بتجريم الممارسات الظالمة، والمطالبة بتجريم التعبير عن الأفكار المخالفة؛ فلكل إنسان أن يعتقد في غيره ما يشاء وأن يعبر عما يعتقد دون فعل ما يسيء؛ فها هو الإسلام الذي عبر بحرية عن رأيه في الآخر يقول نبيه :"ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة) " رواه أبو داود في سننه والبيهقي في الجامع الكبير)، ويقول: "من آذى ذميًا فأنا خصمه" ( رواه الخطيب عن ابن مسعود( . . والله أسأل الهدية للناس أجمعين.