وزراء وشخصيات وصحافيون في لبنان يدافعون عن التطبيع مع الصهيونية!

 

دياب أبو جهجه

جاد المالح (أو المليح) فنّان فرنسيّ شابّ من أصل مغربي، يتمتّع بموهبة فذّة في الكوميديا والفنّ الاستعراضي؛ وذلك ما لا شكّ فيه. ولكنه ايضاً، وفي الوقت نفسه، يتمتّع بتأثير كاريزماتيّ مهمّ على أوساط واسعة من الشباب الفرنسيّ والفرنكوفونيّ. والمالح يهوديّ، وهذا بالنسبة إلينا تفصيلٌ لا يقول عنه أكثر ممّا يقوله عن نورمن فنكلستين مثلاً. وكونُ المرء يهودياً بالنسبة إلينا مثله مثل كون المرء بوذياً أو مسلماً أو ملحداً: تفصيل شخصي لا أكثر ولا أقلّ. إلا أنّ المشكلة مع المالح هي أنه صهيونيّ متحمّس وناشط. وإذا اعتبرنا أنّ كل مؤيّد لوجود دولة إسرائيل، وللفكرالذي يقف وراءها، هو صهيوني بشكل سالب، فإنّ من يضيف إلى قناعة كهذه عملاً مباشراً للترويج لهذه الدولة ولمجتمعها ولجيشها إنما هو صهيوني بالمعنى الموجب للكلمة.


كيف حَكمْنا على المالح بأنه ينتمي إلى هذه الفئة؟ الجواب هو أننا استمعنا جيداً إلى ما يقول، ونظرنا جيداً إلى ما يفعل.


أولاً، عبّر المالح بنفسه عن دعمه لدولة إسرائيل من خلال العديد من المقابلات، وبالإمكان الاطّلاع عليها عبر مواقع لها مصداقية عالية وصهيونية مثل الموقع الرسمي لغرفة التجارة الفرنسية الإسرائيلية المعروف 'وادي إسرائيل' حيث قال وبالحرف الواحد 'أن اسرائيل بلدي وفيها أحس أنني في بيتي وأشجع الجميع على زيارة هذا البلد الرائع وهم سيغيرون نظرتهم اليه ويدركون أنه ليس كما تصفه وسائل الاعلام'، كما ينظر المالح في مقابلته المطولة تلك 'للعاليا' أي عودة اليهود الى ما يسمونه أرض اسرائيل ويقول أن والده لو كان حيا لفعلها بالتأكيد.


هذا من ناحية تعاطفه وحبه لكيان العدو وترويجه له. وقد سمعتُ من بعض الاصدقاء أنّ ذلك ليس بمشكلة خاصة، وأنّ العديد من نوابنا وسياسيينا يحب 'إسرائيل' أكثر من ذلك ويتعاطف معها، وأنّ بعض هؤلاء في البرلمان اللبناني. وهذا للأسف صحيح، إلا أنهم يكتمون ذلك ويعلنون خلافه، بينما المالح يتشدّق بحب هذا الكيان، وذلك في ذروة ممارسته للقتل ضد شعبنا في فلسطين. نحن لا نستطيع محاسبة السياسيين اليوم على النوايا أو على ماضٍ يقولون إنه أصبح وراءهم وساهم في إنقاذهم من أن يحاسَبوا عليه قانونُ عفوٍ نحن ضدّه أساساً. ولكننا نستطيع بالتأكيد محاسبة المالح على حاضره وعلى ما يعلنه جهاراً. إذن، نحن لا ندينه، بل هو يدين نفسه.


النقطة الثانية هي زياراته المتعددة إلى الكيان الصهيوني، وهي تضفي عليه حكماً شبهةَ الارتباط بهذا الكيان، وعلى حدّ علمي تجعل من دخوله لبنان أمراً غيرَ شرعيّ. ولمن ينْكر زياراته إلى الكيان الصهيوني، مثل منظمي مهرجان بيت الدين الذين كادوا أن يعلنوه بطلاً قومياً عربياً ورمزاً للمقاومة، فإننا ندعوهم إلى مشاهدة فيديو مصوّر للمالح خلال إحدى زياراته:


http://video.google.com/videoplay'docid=-4801193692133962044&hl=en-CA
والفيديو هذا من إنتاج التلفزيون الفرنسي، ولا أظنّ أنهم سيعترضون على مصداقيته، وهو موجود على موقع غوغل (وهذا ليس موقعاً معادياً للصهيونية).


ولكنّ المشكلة الكبرى بالنسبة إلينا هي أنه شارك في حملة دعائية لدعم الجيش الصهيوني من خلال مشاركته في ألبوم صور تحت عنوان: 'بكلّ قلوبنا مع الجنود الإسرائيليين'، وذيّله بتوقيعه وبكلماتٍ تعبّر عن دعمه الكامل للجيش الصهيوني. وهنا رابط الألبوم:


http://absikerenor.free.fr/actualites/album11.html

صهيوني بامتياز



وإذا تمعّنا في الصورة، نلاحظ أنها للمالح نفسه أيام الشباب، عندما خدم في الجيش الصهيوني وتعلّم العبرية بطلاقة، وهو يتنقل غالباً بين الكيان الصهيوني وكندا. وإذا كان وكيل أعمال المالح ينفي أن تكون الصورة له ـ وهو أمر منتظر رغبةً منه في التعتيم على تاريخ خدمة المالح في الجيش الصهيوني أيام الشباب ـ إلا أنه لا ينفي أنّ الكلمات والتوقيع هي للمالح. وأترجم هنا لمن لا يتقن الفرنسية: ' كلا، ليست هذه صورة من فيلم لسبيلبرغ عن ضرورة إنقاذ الجندي ابراهام، لأنه هو الذي ينقذنا ويحرص علينا، على مثلنا العليا، وأطفالنا ومستقبلنا. الخيار في يدنا. أما هم، فلا خيار عندهم. فلنساعدْهم لكي يحرصوا على أنفسهم، ويحرصوا بالتالي علينا. جاد المالح'. وهذا الكلام الشاعريّ المؤثّر للمالح عن حماة الديار في 'جيش الدفاع الإسرائيلي' جاء في إطار مبادرة من جمعية 'كيرين أور' الفرنسية الصهيونية المقرّبة من الجيش الإسرائيلي وهي جمعية تنظّم سنوياً نشاطاتٍ دعائية وحملات تبرّعات من أجل الجنود الصهاينة تحديداً. والجمعية معروفة لدى مناهضي الصهيونية في أوروبا ويرأسها الصهيوني الفرنسي 'جيل تايبي'، ومقرّها في الرقم 78 من جادة الشانزيليزيه الراقية في باريس، ولها فروع في معظم المدن الفرنسية الكبيرة، وتمتلك مصداقية كبيرة في الأوساط الصهيونية. وشارك مع جاد المالح في هذا الألبوم العديدُ من الفنانين الفرنسيين المؤيدين للجيش الإسرائيلي. وآخر نشاطات المالح في هذا الإطار كانت مشاركته مع باتريك برويل في حملة تضامن مع الجندي الصهيوني الأسير غلعاد شليط، وطبعاً من باب 'التعاطف الإنساني' مع معاناة والده المسكين، وهنا الرابط من موقع المنوّعات الفرنسي المشهورpure people :


http://www.purepeople.com/article/gad-elmaleh-rejoint-patrick-bruel-dans-son-soutien-au-pere-en-detree_a19494/1
ماذا نعرف، إذن، عن المالح بشكل لا يقبل الجدل؟ نعرف أنه يحب اسرائيل، ويؤيّد جيشها، وينشط في الترويج له، ولا يتورّع عن اعتبار هذا الجيش ممثلاً له وحاملاً لمثله العليا، تماماً مثل 'البلد' الذي يحب ويدافع عنه هذا الجيش. ويحرص المالح على دعم القضايا 'المحقّة والإنسانية'، مثل قضية الأب شليط وابنه 'المخطوف'. هذا ما نعتبره مثبت بما لا يقبل الشكّ لدينا. أما ما لا نستطيع إثباته، ولكننا نعرفه، فهو أنّ المالح، عندما هاجر من المغرب، تنقّل بين كندا والكيان الصهيوني، حيث خدم بشكل متقطع في الجيش الصهيوني؛ وهذا أمر شائع بين اليهود الصهاينة المقيمين خارج الكيان ( ولايحتاج الى جنسية اسرائيلية كما ادعت نورا جنبلاط). وخلال هذه الفترة تعلّم العبرية التي يتقنها تماماً.
على أية حال، ما يعنينا هو ما نستطيع إثباته، وهو أنّ هذا الرجل صهيوني حتى النخاع، ومؤيّد لدولة عدوّة ولجيشٍ دمّر بلدَنا وارتكب المجازرَ بحقّ شعبنا في لبنان... ناهيك عن مجزرة فلسطين المستمرة منذ 61 عاماُ، والتي يهلّل لها المالح من خلال تطبيله للدولة الصهيونية وجيشها. واذا كنا نطلب من الناس مقاطعة مشروب غازيّ لأنه يتعاون مع الكيان، ومحلّ قهوة امريكي، ومنتجات، فكيف ندافع عن فتح بلدنا وأخذ شخص كهذا في الأحضان؟ هل لمجرّد أنّ اسمه 'جاد' وأصوله عربية؟ ألا يجعل هذا منه ليس فقط صهيونياً ولكنْ خائناً وعميلاً أيضاً؟ هل أصبح موقفنا أن نحاور الصهاينة و'نغيّر موقفهم' عبر تشريع أبواب بلادنا لهم وتعريض شبابنا لتأثيرهم وملء جيوبهم الداعمة للكيان الصهيوني بأموالنا؟
هل هذا ما يريده وزيرُ السياحة اللبناني الذي يأسف لالغاء المالح لزيارته ويدعوه للعدول عن قراره؟ وهل هذا ما تسمح به وزارة الخارجية التي منحته تأشيرة دخول؟ وماذا يريد وزير الاعلام الذي يبكي على صورة لبنان لأننا اعترضنا على دخول صهيوني اليه واي صورة للبــــنان يريد؟ لبــــنان الذي ذبح أطفاله على ايدي الصهاينة عليه وفقا لطارق متري أن يبيع كرامته ويقبل بدخول مشجع للجيش القاتل الى أرضه ليضحكنا وفي 12 تموز (يوليو) تحديدا؟ أي في الذكرى السنوية الثالثة للمجازر المريعة التي ارتكبها أبطال المالح والمدافعين عنه وعن مثله العليا؟ وماذا عن الذين هللوا له مرحبين به في بلد المقاومة من خلال صفحات جريدة من المفترض أنها جريدة المقاومة، هل أصبح موقف التقدميين الرسمي في لبنان اليوم هو الحوار مع الصهاينة والمتصهينين من أجل اقناعهم العدول عن صهيونيتهم؟ هل أصبحنا بهذه السخافة؟
اخطار للنيابة العامة



أنا اعتبر هذه المقالة بمثابة إخطار للنيابة العامة اللبنانية ضد كل من نظم وخطط ودافع عن هذه الزيارة التطبيعية الخطيرة وأطلب فتـــح تحقيق ضــــدهم جميعا بتهـــمة التطـــبـــيع مع الـــعدو الصهـــيوني والتسهــــيل لدعــايته ولدخـــول أشخاص مرتبطين به الى أرضـــنا، وأعتبــرها قبل كل شيء إخطاراً أيضاً للشعب اللبناني وقواه الوطنية والتقدمية التي ترفض التطبيع... وإنْ تسلّلَ من خلال نكتة أو كان ظريفاً خفيفَ الظلّ!


12
تموز (يوليو)، اليومَ الذي كان مقررا لوصول المالح إلى لبنان، هو تاريخٌ رمزيّ مهمّ لمقاومتنا. ونحن حافظنا عليه من خلال منع بوق 'اسرائيل' هذا من تدنيس أرضنا والعبث بثوابتنا الوطنية التي تكاد تضمحل من شدة التراخي والتشويش عليها. وعلينا أن ننتزع ممن يدافع عن هذا الصهيوني اليوم ويبكي الدموع لأنه ألغى زيارته، اعتذارا للشعب اللبناني عن جريمة دعوة هذا الصهيوني أساسا. فالمعركة مع المروجين للتطبيع وللعمالة باسم الانفتاح وحب الحياة لا تزال مستعرة ولن تنتهي هنا وعلينا أن نحشد لها كل طاقاتنا.


ونقول لمن أخبرنا على شاشات التلفزيونات بان محاربة التطبيع مثل صيد الساحرات في القرون الوسطى وبأنه لا يجب أن نقرأ كل شيء من زاوية قضية فلسطين، أننا سنقرأ كل شيء في هذا الكون من خلال قضية فلسطين ومن خلال صراعنا الوجودي مع هذا الكيان الصهيوني الغاصب ومع كل من يساعده على أن يطبع وجوده المصطنع في قلب وطننا العربي لأن قضية فلسطين تمثل كل ما في هذا الكون من حق ضد كل ما في هذا الكون من ظلم وعنصرية وقمع، قضية فلسطين هي منظارنا الكوني. فالتخلف كما قال ذلك اليهودي الآخر الذي نحترم ونرحب به دوما في بلدنا، نورمن فنكلستين، ليس أن تكون للشعب كرامة تمنعه من أن يستسلم لعدوه وانما أن يسمح لمن قتله أو لمن يدعم هذا القاتل باي طريقة كان، أن يسرح ويمرح على ارضه من دون رقيب أو حسيب، هذا هو التخلف.



'
كاتب من لبنان