صناعة القداسة
المزيفة
أبو محمد الأنصاري
حين
يُفلس الزعيم ،
أي زعيم كان ؛ سياسياً أو دينياً أو غير ذلك ، يشهد جهازه الإعلامي حركة
ونشاطاً غير عاديين ، من أجل ترقيع صورته الباهتة وإزالة ما لحق بها من بقع مظلمة
. وفي هذا الصدد يلجأ دهاقنة الإعلام الى حيل وطرائق شتى يجمعها رباط واحد يتمثل
بالحيلولة دون سقوط صورة الزعيم في أعين الناس ، ومحاولة الحد من سَورة السخط الجماهيري
المتعاظم . إن أفضل الطرق التي ابتكرتها الآلة الإعلامية تتجسد بإحاطة الزعيم
بهالة من القداسة تنأى به عن دائرة النقد ، وتحيل سقطاته الى قرارات تأريخية فريدة
قلما يجود بمثلها الزمن ، وتصبح فلتاته رشحات
عبقرية تند عن
فهم العقول القاصرة ، والتي عادة ما تكون
عقول كل الناس باستثناء عقل الزعيم الفلتة نفسه ،
فالقداسة ببساطة
منطقة خارجة عن نفوذ العقل الواعي .
ولصناعة القداسة أساليب أهمها
خطابات البلاغة الجوفاء ، وبين يدي الآن إنموذجاً لهذه الخطابات أضعه بين أيديكم
لتتأملوا فيه ( ولا بأس بالإبتسامات الساخرة ) ! والخطاب يحمل عنوان ( لا تقلقوا
على العراق ما دام السيستاني معكم ) نشرته جريدة ( الهداية ) التي تصدر عن ممثلية
المرجعية الدينية في مدينة الزبير ، في العدد ( 25 ) السنة الثالثة / 10 شوال
/ 1426 ، يقول الخطاب في فقرات منه : (( آخر المراجع العمالقة ، وحامل مفاتيح أمير
المؤمنين علي ، وحارس بوابة العراق من الشر ، صامت كالأضرحة ، هادئ كقمر في برية
، وعذب كالفرات ، وفي يده راية الحسين وفي كفه وصية
قمر بني هاشم . . . تشرق الدنيا وتغرب ، توضع الخطط والبرامج ، يبيع الساسة ويشترون ،
تكتب الأقلام ما تكتب يتخاصمون على هذه الأسمال
أو تلك يزحفون أو ينبطحون ، ترتعش القلوب خوفاً أو
قلقاً على الوطن
لكنه هادئ كبوابة الأمير ، وصامت صمت خيول الأنبياء ، وحين تسقط دموعه
على سجادة صلاته تتساقط عروش وتهرب جيوش وتنكشف أقنعة وتنهار مصارف وتمطر الدنيا
حجراً ... ، فلا تقلقوا مادام السيد السيستاني معكم ، ولن تسقط نجوم السما )) .
لا شك التفتم الى المضامين المشفرة التي يسعى
هذا الخطاب الإستخفافي المخادع الى الإيحاء بها ، من
قبيل ( 1- تصوير الصمت المعروف عن مرجعية السيستاني ،
وهو صمت كان على
الدوام مثار انتقادات الناس وتندراتهم ، على أنه حكمة وصبر على الأذى
، وإحاطة هذا السلوك على العموم بهالة من القداسة . 2- تصوير مرجعية السيستاني
وكأنها امتداد يختصر أسمى لحظات التأريخ الشيعي . 3- ربط مرجعية السيستاني
بأئمة أهل البيت والحرص على الإيحاء بأنها الحارس الأمين لمبادئهم . 4- تصوير
مرجعية السيستاني على أنها الوحيدة القادرة على المحافظة على تماسك الكيان الشيعي
،
والدفاع عن
مصالحه في المرحلة الحاضرة ، ويمكنكم استخلاص مضامين أخرى ) .
والحقيقة إن المضامين التي سجلتها في النقاط
أعلاه تشكل مع جملة أخرى من المضامين المعروفة للمتابع
منظومة دعائية تتكرر في أكثر الخطابات الصادرة عن
المؤسسة الدينية
، ولعلكم تلاحظون أن أكثر هذه المضامين ، إن لم يكن جميعها ، مما تفتقر
له مرجعية السيستاني الأمر الذي يؤكد فكرة أن هذه المرجعية قد أحلت الخطاب الإعلامي
بديلاً عن العمل ، فهي بدل أن تتاجر بالأعمال تبيع الوهم للناس .
والحق إن اللجوء الى اللغة الإنشائية الدعائية
من أوضح ملامح سياسة الإستخفاف ، إذ
بخلاف اللغة
العلمية التي تهتم بطرح الأدلة ، وتستقرأ الواقع الموضوعي ، وتفتح الباب
بالنتيجة للمناقشة والنقد ، تُعتّم اللغة الإنشائية على هذا كله ، لترسم صورة مقدسة
لموضوعها ، تتعدى مراكز الوعي لتطال مراكز الخيال ، وبكلمة واحدة هي تستبدل الأسطورة
/ الوهم بالتأريخ / الواقع الموضوعي .
إن إختلاق واقع أسطوري ( غير حقيقي
) يصور رجال المرجعية ( فقهاء آخر الزمان ) على أنهم رجال مبدأ ولا يخالفون الشرع
قيد أنملة ، أو إنهم مثال التقوى والزهد والورع ، وسواها من أخلاق إيمانية عالية
يُراد منه صرف انتباه الناس عن ما يصدر من هؤلاء الفقهاء من مواقف وسلوكيات لا
تتفق مع الشرع ، بل تناقضه تناقضاً صارخاً ، فالصنم الذي يُقتل شعبه يومياً بالغارات
الأمريكية وتُنتهك حرماته فيما هو يلوذ بالصمت ( صامت صمت خيول الأنبياء !! ) ، يحتاج أشد الإحتياج
الى من يلمع صورته ويسبغ عليه بطولات ومناقب مجانية . وقد بلغت هذه الظاهرة من الإستشراء
حداً فاق
ما كان على عهد
صدام اللعين بأضعاف مضاعفة ، حتى إنك لا تجد
حائطاً في المدينة إلا وقد شوهته الصور أو الكتابات
الرخيصة ، ( أذكر
إن أحد الأصدقاء قال يوماً : أفكر في وسيلة لإحصاء ما تكلفه هذه الصور
واللافتات ، فأنا على قناعة كبيرة بأن الأموال التي تصرف عليها تكفي لسد جوع الملايين
من الناس ، طيب صديقي هو يعتقد أن سد رمق الملايين أهم عند الجماعة إياهم من
تلميع صورة المرجع ) ؟!
إن ثقافة الصور والكلمات المقتبسة عن الفقهاء
تمثل حالة من الوثنية الفكرية ،
فالمرجع الغائب عن الساحة الإجتماعية يصبح حاضراً بفعل
هاتين الصيغتين
الدعائيتين ، فمن خلال حضور هذه الصور والكلمات يترسب في وعيك حضور المرجع
فلا تعود تسأل عن عدم حضوره الفعلي ، وبكلمة أدق إن حضور الصورة يقتل في وعيك
حضور السؤال عن غياب المرجع ، أي يحدث ما يشبه – أو هو هكذا– استبدال الحقيقة الغائبة
بالوهم الحاضر . الإله عند الأقوام الوثنية يتم استحضاره من خلال الوثن أو التمثال !!
وللصور وظيفة تضليلية أخرى ، فالصور التي توضع
على بنايات الأحزاب أو التي تنشرها الأحزاب
السياسية نفسها ، وغالباً ما تتم الإشارة الى الحزب أسفل
الصورة ، هذه
الصور في حقيقتها قصصاً رمزية من أكثر القصص مأساوية . فالأحزاب التي لا
تجد ما تقنع به الشعب ليلتف حولها تبادر الى هذه الصور لتخلق في روع الناس إنها تهتم
بدينهم ( باعتبار المرجع رمزاً دينياً ) ، والحق إن هذه الأحزاب حققت نجاحاً منقطع
النظير عبر هذه الوسيلة ، بل إنها وقد اطمأنت الى النتيجة لم تعد تأبه بالناس ، فالناس – وهذه مأساة – تم استبدالهم
أو إلغاؤهم واستعيض بالمرجع بدلاً
عنهم ، فالحصول
على رضا المرجع يستتبعه بالضرورة الحصول على رضا الناس . أي إن الأحزاب ضمنت
عبر الصور رضا المرجع وهذا بدوره سيحرك الناس لمصلحة الأحزاب بكلمة واحدة ( مكتوبة
طبعاً ، فالمرجع صامت صمت خيول الأنبياء ) ، فإذا أردت أن يتبعك القطيع ما عليك
سوى أن تجعل قائده يتبعك !! هذا هو المنطق الذي تمارسه الأحزاب في ديمقراطية العراق
الأمريكية .. استبدال المرجع بالشعب .
والحق إن الأحزاب التي تنتسب الى الإسلام
زوراً وبهتاناً ، و التي فرطت بأساساتها الإيديولوجية ( أي بالعقيدة التي جعلت
منها شعاراً ) وجدت نفسها خالية اليد من أي خطاب إعلامي يمكن أن تستقطب به الجموع
وتقنعهم بالإلتفاف حولها سوى القنوات الفضائية التي تعرض اللطميات لتستخف عقول
الناس ، و ظهر المرجعيات العاطلة عن العمل والصامتة صمت خيول الأنبياء !
2008-07-06