فصل الدين عن السياسة

على خلفية فتوى الفياض الأخيرة

بقلم : أبو محمد الأنصاري

وبهامشه تعليقات أضافية مثيرة للجدل

 لسماحة الاخ المرجع القائد احمد الحسني البغدادي

أدام الله ظله

 

يقول أ. د. جعفر شيخ إدريس رئيس الجامعة الأمريكية المفتوحة في مقال له في مجلة البيان عنوانه فصل الدين عن الدولة إن ( دعاة فصل الدين عن الدولة قد يعترفون بأن هذا أمر حدث لظروف تاريخية خاصة بالحضارة الغربية، وبالديانة النصرانية؛ لكنهم مع ذلك يرون أنه أصبح أمراً لازماً لكل دولة حديثة، ويسوِّغون هذا بأن الأساس في الدولة الحديثة هو المواطنة، وما دام المواطنون في الدولة الواحدة لا ينتمون في الغالب إلى دين واحد، بل تتقاسمهم أديان متعددة، وقد يكون بعضهم ملحداً لا يؤمن بدين؛ ففي التزام الدولة بدين واحد من هذه الأديان افتئات على حقوق

المواطنين المنتمين إلى الأديان الأخـرى أو المنكرين لها كلها ... ويرون لذلك أن تكون الدولة دولة علمانية محايدة لا تلتزم بالدين ولا تحاربه ولا تنكره، بل تترك أمره للمواطنين يختارون ما شاؤوا من عقائد، ويلتزمون بما يريدون من قِيَم، ويمارسون ما يروق لهم من عبادات .هذه الصورة للعلمانية التي حرصت على أن أجعلها براقة كأشد ما يريد المدافعون عنها أن تكون، تنطوي على افتراضات هي أبعد ما تكون عن الحقيقة.

 

ومن ذلك:

 

أولاً: أنها تفترض أن العلمانية يمكن أن تكون محايدة بالنسبة لكل الأديان؛ لكنها لا تكون كذلك إلا إذا كان مجال الدين مختلفاً عن مجال الدولة، أي إذا كان الدين والدولة يعيشان في منطقتين مستقلتين لا تماسَّ بينهما، وأن دعاة الدولة الدينية يقحمون الدين في مجال غير مجاله، ولذلك يضرون به وبالدولة.

 

فهل هذا الافتراض صحيح؟

إنه لا يكون صحيحاً إلا إذا كان الدين محصوراً بطبعه في بعض المعتقدات وبعض الشعائر التعبدية، وبعض أنواع السلوك الشخصي الذي لا علاقة له بالجماعة، ولا يدخل لذلك في مجال الدولة، لكن الواقع أن هذا الوصف لا ينطبق على أي من الأديان الكبيرة المشهورة: اليهودية والنصرانية والإسلام؛ فما منها إلا وله حكم في العلاقات بين الجنسين، وفي العلاقات الأسرية، والاجتماعية، وفيما يحل أكله وشربه، وما يحرم، وهكذا. وكلها أمور تدخل بالضرورة في مجال الدولة.

 

كيف حل الغربيون هذا الإشكال؟

 

حلوه بنوع من المساومة: فهم قد أخذوا بعض القيم النصرانية وجعلوها قوانين للدولة، وهم يجعلون اعتباراً كبيراً لقيمهم الدينية في سياستهم الخارجية، ولا سيما في معاملة الإسلام.

 

لكنهم في الجانب الآخر تركوا أشياء من دينهم، وساعدهم على ذلك تاريخهم المليء بتحريف الدين إما في نصوصه أو في تأويله، ثم جاءت في العصور الأخــيرة حـــركات فكرية تحررية أذاعت القول بأن ما يسمـــى بالكتاب المقـدس ليس كلام الله ـ تعالى ـ، وأنه من كتابة بشر عاديين تأثروا بالجو الثقافي في المرحلة التاريخية التي عاشوا فيها، ولذلك فإن ماقرره هذا الكتاب في مسائل مثل الشذوذ الجنسي ينبغي ألا ينظر إليها إلا على أنها قيم مجتمعات سابقة.

 

هذا كلام لا يقوله السياسيون والحكام فحسب، وإنما يقوله كثير من رجال الدين، والمختصين بدراسته، لكن حتى هؤلاء المتحررون يشعر الكثيرون منهم الآن أن العلمانية لم تعد محايدة بين الأديان، بل صارت هي نفسها ديناً يدافع عنه أصحابه ويحاربون به النصرانية، وأذكـر أن أحدهم قال لي في أحد المـؤتمــرات ناصحــاً: لا تُخدَعوا كما خُدِعنا، فتظنوا أن العلمانية موقف محايد؛ بل هي الآن دين، أو كما قال ذاك الناصح.

 

فكيف تُحَل هذه المشكلة بالنسبة لأناس كالمسلمين يرون أن القرآن كلام الله ـ تعالى ـ لم يأته الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أيضاً وحي الله ؟

 

 

وكيف إذا كان دينهم لا يقتصر على ما ذكرنا من أمور تدخل في نطاق الدولة، بل يتعداها إلى أخرى هي من أخص خصائص الدولة ؟

 

ماذا يفعل هؤلاء؟

 

لا خيار لهم بين الحكم بما أنزل الله ورفض العلمانية، أو الحكم بالعلمانية والكفر بما أنزل الله تعالى ) .

 

لعل هذه الكلمات التي كتبها الدكتور جعفر من البديهات بالنسبة لمن يعرف أساسيات الدين الإسلامي ، فكيف بمن يزعم أنه مرجع في معرفة هذا الدين الذي يفيض كتابه الكريم وتاريخه الحافل بقصص الصراع بين الأنبياء والمؤمنين من جهة والطواغيت وأعوانهم من جهة أخرى .

 

ولعلكم تتذكرون ما جرته كلمات شبيهة بفتوى الشيخ الفياض على مصطفى عبدالرازق من شجب وتنديد وتفسيق وطرد من الأزهر ، ولكننا للأسف الشديد لا نسمع من فقهاء المذهب الذي قوافل ممتدة من الشهداء دفاعاً عن مبدأ التنصيب الإلهي للحاكم ، لا نسمع من ينبس ببنت شفة إنكاراً على الفياض وفتواه المبتدعة .

 

الحق إني أردت من هذه المقدمة أن تكون حاضرة أمام ذهن القارئ لأهميتها الشديدة ، ولكني غرضي في هذا المقال شئ آخر ، فما أستهدفه حقاً هو كشف التناقض الصارخ الذي يعيشه الفياض على المستويين النظري والعملي ، وسأترك لكتاباته هو الكلمة الفصل في إنتاج الدلالة المطلوبة مع بعض التوضيحات التي لا تخل بالمنهج كما سيرى القارئ .

 

- على المستوى النظري :

 

لأضع أمامكم أولاً فتوى الفياض التي ذهب فيها الى القول بفصل الدين عن السياسة ، وأقتبس بعدها من بعض كتاباته النظرية ما يناقضها تماماً .

 

 

يقول الفياض في فتواه الأخيرة : (( وليعلم الناس أن الحوزة لا تريد مرجعاً دينياً سياسياً لأن الدين لا يجتمع مع السياسة المتبعة بين دول العالم في الوقت الحاضر لأنها تدور حيث ما دارت مصلحة الدولة سواء أكانت موافقة للدين أم مخالفة له. فلا موضوعية حينئذ للدين بينما الدين بما له من السياسة لا يتغير ولا يدور حيث ما دارت مصلحة الدولة هذا إضافة الي أن السياسة غالباً ما تكون مبنية علي الخداع والكذب والمصالح الذاتية الضيقة ... كيف يمكن أن يكون المرجع دينياً وسياسياً معاً؟ فإما أن يتبع الدين أو السياسة، والجمع بينهما لا يمكن )) .

 

 

اسمعوا الآن ما يقول في مؤلف له بعنوان ( الحكومة الإسلامية ) منشور على موقعه ، يقول : (( الحكومة الإسلامية الشرعية هي الحكومة القائمة على أساس مبدأ الحاكمية لله وحده لا شريك له، والسلطة الحاكمة فيها تتمثل في ولي أمر المسلمين وهو منصوب من قبل الله تعالى في زمن الحضور والغيبة معاً.

 

 

أما في زمن الحضور فأنه منصوب بالتنصيص بالاسم والشخص والصفات.

 

وأما في زمن الغيبة فإنه منصوب بالتنصيص بالصفات فقط كصفة الفقاهة التي هي متمثلة بالفقيه الجامع للشرائط منها الأعلمية.

 

ثم أن ثبوت الولاية والزعامة الدينية للنبي الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع) واضح ولا كلام ولا إشكال فيه لأن القدر المتيقن من قوله تعالى في الآية المباركة: (( وأولي الأمر منكم )) هو الأئمة الأطهار (ع) هذا مضافاً إلى الروايات الدالة على ذلك.

 

وإنما الكلام والإشكال في ثبوت الولاية والزعامة الدينية للفقيه الجامع للشرائط ولا يمكن إثبات هذه الولاية بالنص لأن الروايات التي استدل بها على ثبوت الولاية للفقيه باجمعها ضعيفة من ناحية السند فلا يمكن الاعتماد عليها ومن هنا فالمشهور بين الفقهاء عدم ثبوت الولاية للفقيه هذا ..

 

ولكن الصحيح ثبوت هذه الولاية له وهو لا يحتاج إلى دليل خارجي لأن امتداد الشريعة المقدسة وخلودها يتطلب امتداد الولاية والزعامة الدينية المتمثلة في زمن الحضور برسالة الرسول الأكرم (ص) وبعده بإمامة الأئمة الأطهار (ع) ، وفي زمن الغيبة بفقاهة الفقيه الجامع للشرائط منها الاعلمية إذ لا يمكن افتراض امتداد الشريعة وخلودها بدون افتراض امتداد الولاية والزعامة الدينية ، ضرورة أن الشريعة في كل عصر بحاجة إلى التطبيق و التنفيذ وإجراء الحدود والحفاظ على الحقوق والاهتمام بمبدأ العدالة والتوازن بين طبقات الأمة ، فإذن بطبيعة الحال ما هو ثابت

للنبي الأكرم (ص) والأئمة الأطهار (ع) في زمن الحضور في الدين الإسلامي فهو ثابت للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة فإذا فرضنا أن الفقيه كان مبسوط اليد ولم تكن هناك عوائق وموانع عن تشكيل الدولة الإسلامية على أساس مبدأ حاكمية الدين فيجب عليه أن يقوم بتشكيل الدولة كذلك ومن الواضح أن تشكيل الدولة الإسلامية بتمام أركانها ومكوناتها لا يمكن بدون ثبوت الولاية والصلاحية الواسعة للفقيه في سن القانون والتشريع حسب متطلبات الظروف وحاجة الوقت ومصالح الناس العامة في حدود منطقة الفراغ لأن ترك الإسلام هذه المنطقة بدون تشريع لزومي بعنوان أولي

 

 

يدل على أنه تعالى جعل صلاحية التشريع في هذه المنطقة لولي الأمر بعنوان ثانوي حسب متطلبات الوقت وحاجة البلد في كل عصر كما سوف نشير إليه .

إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن ثبوت الولاية والزعامة الدينية للفقيه الجامع للشرائط لا تحتا%

‏21‏ تموز‏، 2008