لاءَات الخرطوم ونـَعَمات المبادرة العربية

أبو سمرة المقدسي

 

الإخوة القراء الكرام ، بعد التحية والإكرام، استميحكم العذر بالتمام ، لأسرع في توضيح الكلام . فربما بدا عنوان المقال استفزازيا كما بدا لي وأنا أطالع وقائع مؤتمر حوارات الأديان في قازاخستان المنعقد حاليا  وتتصدر فيه إسرائيل مكان الصدارة بحضور رئيس دولتها "بيريز" . قال هذا العنوان رئيسهم "بيريز" في مؤتمر الأديان في قازاخستان . إنه عنوان صحيح لكنه قبيح غير مريح، يذكرني وشعبي الجريح بقرارات مؤتمر القمة العربي الرابع المنعقد في مدينة الخرطوم (29 آب – 2 أيلول 1967) الذي اشتهر بلاءاته الثلاثة ( لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني).  واشتهرت لاحقا ب " لاءات الخرطوم ".   

 

وبمقارنة سريعة بين عام النكسة 967  الذي فيه احتل العدو الأرض العربية إثر الهزيمة العسكرية المنكرة في ثلاث مسارح عمليات في كل من سيناء والضفة الغربية وهضبة الجولان، فقد كانت المعنوية العربية عالية تهدر مدوية وتطالب بالثأر وشن عمليات مستمرة حتى تحقيق النصر واستعادة الأرض العربية وتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، نعم كانت المعنويات عالية ، وهدير هتاف الجماهير في كل العواصم العربية لا كثّرها الله على كثرتها، ولا وضع في قادتها بركة الضلال بل زرع فيها الإيمان والوحدة والعزة وحب الشهادة في سبيل الله ثم لتحرير الأوطان مما وقع عليها من الضيم والعدوان. يومها كان صوت الجماهير أعلى وأسمى مما هي عليه الآن ! كانت الجماهير تمجد المقاومة وأما الآن فقد اندست بينها جماهير مهزومة تحب الدولار أكثر من والديها، تحب الإستعمار أكثر من تاريخها. صارت الغالبية اليوم – إلا من رحم ربي وهدى ، صارت مطواعة للغرب بعيدة عن الشرف قريبة من الترف . لا تمجد المقاومة بل المساومة، تستجدي السادة مبتعدة عن العبادة، كانت سابقا تتستر وصارت لاحقا تستمرئ الولاء والخنوع حبا للجيوب يرتمون على موائد اللئام كالأيتام ويمالئوا إسرائيل ومن رعى ورعرع إسرائيل ودعمها بالمال والسلاح وبالأرواح.

 

كان وفد إسرائيل برآسة كبيرهم ورئيس دولتهم الصهيونية الغاصبة والمحتلة لجميع أرض فلسطين، إنه "بيريز" الذي لا يمت إلى الدين بصِلة، فهو أحد مؤسسي وزارة الدفاع وقد شغل منصب المدير العام فيها وهو الذي أشرف على إقامة مفاعل ديمونة وأجرى المحادثات السرية للعدوان الثلاثي في حملة السويس، فمن الغريب أن يرأس وفد لا يمت للدين بصلة ولكنه ستار تزحف إسرائيل متسللة من تحته لتدخل الباب الشمالي للعالم الإسلامي. إنها أول زيارة رسمية لدولتي آذربيجان وقازخستان، وأهدافها تعبر عن نفسها من تشكيلة أعضائها التي هي أبعد ما تكون عن الدين فاتخذوه ستارة وعبّارة التقرب والتقارب فصارت الأديان دموع التماسيح وشموع التواشيح.

 

وبالإضافة ل "بيريز" تألف الوفد من أربع وزراء هم: وزير الصناعة والتجارة والعمل، ووزير البنية التحتية، ووزير العلوم والتقنية، والمدير العام لوزارة الدفاع - بمرتبة وزير، وكبير حاخامات إسرائيل. إضافة لحشد كبير يضم كبار المسئولين عن ستين شركة صناعية وتجارية إسرائيلية كبرى. ومن تشكيلة الوفد نستنتج أهداف إسرائيل في توسيع قاعدة التعامل الاستراتيجي والسياسي والصناعي والتجاري مع هاتين الدولتين المسلمتين وهما تتميزان بموقع استراتيجي يتوسط روسيا والصين وإيران، وتقع الدولتان على بوابة العالم الإسلامي الشمالية. فأين النشاط العربي الإسلامي الذي يجب أن يكون قد تحرك من زمان سابق كفعل مدروس وليس كرد فعل ملحوس منحوس، وهنا أتساءل متوجها إلى جميع الدول العربية النائمة في سبات عربي كامل هامل من المحيط إلى الخليج !.

 

الكلمة الأولى بعد افتتاح مؤتمر حوار الأديان في قازاخستان كانت من نصيب "بيريز" ضيف الشرف حيث تحدث أمام وفود الدول لمؤتمر حوار الأديان من لا تربطه بالأديان إلا طاقية سوداء يربطها على رأسها شعارا فضفاضا، وقد جاء بيريز ليتحدث عن أهداف له يريد أن يمررها وأن يبث سموم الدعاية الإسرائيلية .

 

تبجح بيريز وتجرأ في مؤتمر حوار الأديان قائلا : أن الدول العربية تغيرت واستبدلت كلمة لا بكلمة نعم في المبادرة العربية، وأن إسرائيل تعي هذا التغيير الحاصل لدى الدول العربية تجاهها وتجاه السلام، وحسب منطق بيريز أين يقع الاستسلام في صلب حديثه. ما ذا يقصد بيريز بالنعم الواردة في المبادرة العربية، التي لم تقبلها إسرائيل حتى الآن، وكانت قد ردت عليها في اليوم التالي لانتهاء القمة باجتياح كامل للضفة الغربية وقالت عن المبادرة العربية قولا مهينا "بأنها لا تساوي الحبر الذي كتبت فيه ! " مضت تمانية سنوات حتى الآن وإسرائيل ما زالت ترفضها بصمت رهيب يدل على احتقار كل من له علاقة بتلك المبادرة على المستوى الإداري والسياسي والحكومي الرسمي. وبالأمس تمادى بيريز في وقاحته ودعى خادم الحرمين الشريفين أن يجتمع معه في الرياض أو تل أبيب أو في قازخستان لمناقشة المبادرة العربية ! فما هذا التجاهل وما هذا التطاول؟ هل هناك حاجة أو سبب للاجتماع؟ هل قبلت إسرائيل النص الصريح في المبادرة العربية؟

" انسحاب كامل مقابل اعتراف كامل" ، أم تريد تطبيع كامل ودوام الاحتلال الكامل لفلسطين وسلامة تسلم من لا يلدغ من جحر مرتين !

 

هل من المعقول أن تبقى المبادرة العربية على الطاولة، فهي ما زالت مرفوضة ومن العار أن تبقى موضوعة على طاولة الترويج التجاري السياسي الرخيص بتشكيل لجان عربية رسمية تسوّقها وقد أغلقت جميع الأسواق، وانعدمت الأذواق، وعلى صوت الأبواق تمجد السلام والاستسلام.

 

 

أين الكرامة يا أمة العرب! أين الأخلاق العربية ؟ تفتش في المندل حتى لترى  شهما يحمل سهما، وما تكاد أن تراه وتتعرف عليه حتى ترى الأصابع والأيدي تطارده لاعتقاله في غياهب السجون، بتهمة أنه أقلق الكيان الصهيوني! متناسين أن دولة إسرائيل هي دولة غاصبة ومحتلة لكامل فلسطين، تحصر أهلها وتأسر وتخطف من تشاء أنـّا تشاء، وتفرض على الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة إذلالا وقهرا وهيمنة اقتصادية، كما تفرض على السلطة وقادتها بمختلف مناصبهم ومراتبهم التنسيق الأمني والقيام بحراسة أمن إسرائيل ليستتب الأمن والأمان للمحتل وينعم بالراحة والهدوء كي يتفرغ العدو لبناء المستوطنات في المنتخب من الأرض المحتلة بموجب جدول أولوية وبرنامج القلعة الحصينة فوق التلال والجبال فيستعصي اقتحام هذه المستوطنات لتحريرها عندما تقع الواقعة. وهي بالمناسبة لم تكتفي باحتلال كل فلسطيني بل واحتلت الجولان من سوريا إضافة إلى أجزاء من جنوب لبنان، وأوقعت في حبالها وتحت نفوذها سيناء بتجريدها من السلاح وبحيازة بترول وغاز مصر بموجب اتفاقية سرية منبثقة من اتفاقية الانسحاب الصوري من سيناء وهو في الواقع استمرار لهيمنة ناعمة ولكنها ليست ناعسة تسيطر على الكثير من العواصم العربية فأصبحت قواصم لظهر العرب يا من يدركون معاني الهيمنة الاستراتيجية.

أبو سمرة المقدسي

Freedom_fare@yahoo.com