الوعي الزائف

د. أحمد نوفل

قمة خداع الذات أن يلبس اللاوعي ثوب الوعي، أو أن يلبس الوعي الزائف أو المقلوب ثوب الاستنارة أو السبق. أقول هذا بين يدي وقائع بدأت تأخذ موقعها وحيزها في حياتنا الهشة القابلة لكل الاحتمالات.

فمحاربة ظواهر المقاومة على يد بعض مدعي الليبرالية أو العلمانية أو فلول اليسار، بدعاوى التحررية من الرجعية أو التطرف الديني. هذا دور قذر تقوم به مثل هذه الجهات لحساب قوى دولية، يقوم الوكلاء فيها بالدور بدل الأصلاء. تماماً كالأدوار الخطرة في السينما الأمريكية، والواقع كله أصبح سينما أمريكية.

ولو انتبهنا إلى تنامي تيار التوعية الدينية بخطر الشيعة، سنجد ترسيخاً للظاهرة نفسها. ففجأة ودون مقدمات، نمت تيارات سنية بدأت بالتحذير من خطر الشيعة، بل إن بعضها يبشر بأن هؤلاء أخطر علينا من اليهود، ويتهم من يتصدى لمثل هذه المقولات بقلة الوعي، أو عدم الانطلاق من أحكام الدين في تحليل القضايا السياسية.

نعود إلى قضية التحذير من خطر الشيعة والمبالغة في مثل هذا النوع من التوعية، هذا هو الذي سمم الأجواء، وساعد على الفرز الطائفي، والاصطفاف حتى بات الموقف كالقش اليابس في موسم الصيف اللاهب. إنه لا يحتاج إلى شرارة، فهو متفجر بذاته، فكم باسم الوعي الديني نرتكب من حماقات. لقد رجعت إلى الواجهة الاصطفافات المذهبية، ليحارب أهل السنة حزب الله نيابة عن «إسرائيل». فتكون وصمة الأبد تلصق زوراً بالسنة، وحاشا، فلننتبه من مزيفي الوعي ومرتزقة مثل هذه المواقف.

كان ينبغي على الشيخ قباني ومن يزعمون أنهم يمثلون السنة في لبنان أن يدعوا إلى اللحمة بين أجزاء النسيج اللبناني بكل فئاته وطوائفه، أن يكون أهل السنة هم دعاة التعايش والاندماج، لا دعاة التقاتل والاصطفاف. يا دعاة الوعي الديني، لا تنجروا وراء بعض مزيفي الوعي، وبعضهم صادق، لكن ينقصه البصيرة.

أما الذين كانوا يفتون في حرب الخليج الأولى بالاستعانة بالكافر ضد العالم، أفيقبلون هذه الفتوى بحق الأنظمة التي ينطقون باسمها، هذا هو محك الوعي الزائف من الوعي الحقيقي. سلام على الدعاة الوعاة.

وبعض هؤلاء يحرم أن يدعو أحد بالنصر للشيعة في مواجهاتهم مع «إسرائيل»، أو إذا وقعت حرب بين أمريكا وإيران.

فأما أن إيران تآمرت على العراق حتى سقط كحبة التين في سلة المستعمرين فحق. وأما أن نتحول إلى طابور خامس فباطل. ولا يختلط الحق بالباطل، ولا نعيد إنتاج الخطايا الإيرانية، فنقع في أحبولة ما نعيبه على إيران في تعاونها مع المستعمرين.

في حرب العراق الأولى، عاب علينا بعضهم، لا أقول وقوفنا إلى جانب صدام، وإنما إلى جانب العراق في حرب مجرمة ظالمة تريد استئصال بلد من الوجود، ثم تبين لهم، إن كانوا يريدون أن يتبينوا أنه هو الذي كان السد الذي يحجز عنهم كل الشرور، فلما انهار زحفت عليهم كل زواحف الشر.

لست أدافع عن موقف، ولا أبرر، فعلم الله، أنا لم نقف موقفاً إلا لما نعتقد أنه مصلحة الأمة ومصيرها، وحاشا أن نكون في خندق واحد، مع العدو، يوماً من الأيام.

‏05‏/07‏/08