المقاومة بين الواقع والادعاء

د.أحمد الاسدي

   قلنا في قراءه سابقه إن انطلاق المقاومة في العراق كان , رد فعل طبيعي وعفوي, لحاله الذهول ,وخيبة الأمل والإحباط ,التي أصابت الشارع العراقي, بسب الطريقة المُهينة التي دخلت بها ,جيوش الاحتلال الأمريكي, ومَنْ جاء معها من حلفاء الخارج والداخل إلى بغداد, والانهيار المفاجئ لمؤسسات الدولة  العراقية, العسكرية منها و الأمنية, وكل منظمات المجتمع المدني, وليس كما يحلو لدعاة مقاومة سفير التملق السعودي بالادعاء , بأنها صفحه من صفحات المعركة, التي كان مخطط لها مسبقاً, من قبل القيادة العراقية, قبل الغزو, وخير دليل, على دحض ادعاء هؤلاء  الغارقين في  أوحالهم الفكرية , إن الرئيس الراحل صدام حسين, كما يدعون, قد شكل جيش محمد, كنواة للمقاومة, بعد احتلال بغداد في التاسع من نيسان 2003 ,ولو كان, قد تم  فعلاً التخطيط, للمقاومة مسبقاً, ووضع لها ,برنامجها ,وإستراتيجيتها وقادتها الميدانيين والسياسيين, لكان هذا التنظيم العسكري (جيش محمد) وغيره من المسميات الأخرى, قد تشكلت قبل العدوان وليس بعده, ولما كان قد حصل  التسرب العشوائي, لمعظم رجالات الدولة والحزب الحاكم, والطريقة المُهينة التي تم أسرهم بها, أو التي سَلم بعضهم بها نفسه, وعلى رأس القائمة, وزير الدفاع سلطان هاشم الذي كان من الأجدر به ,أن يلتحق بصفوف المقاومة ,ويوظف خبرته العسكرية في خدمة المقاومة , لوحقاً ,كانت  المقاومة قد شُرع ,وخطط إليها, قبل الغزو, كما يدعي الحالمين, ولما تم, تسليم أسلحه ومعدات الفيلق الخامس والقطعات المتجحفله معه, إلى المليشيات الكردية, في قاطع العمليات الشمالي, من دون إطلاق طلقه واحده, من قبل, اصحاب الغرض, بعد أن ضمنت لهم جهات معروفه, مخرجا امننا, ليتواروا به, عن الأنظار تاركين العراق والعراقيين, في دوامة  نتائج سياستهم القاصرة.

 وأكدنا حينها, أن هذه الانطلاقة العشوائية, للجهد المقاوم العراقي, والتي افتقدت إلى التخطيط والإعداد المُسبق, مع غياب المنهجية, في العمل والتخبط في اختيار الأهداف ,وطريقة التعامل مع العدو, قد خلق نوع من التداخل بالألوان واختلاط الأوراق, وجعل منها أرضيه خصبه وهشة للاختراق, من قبل تيارات فكريه دينيه ,وسياسيه ,ومعها جهات مخابرا تيه خارجية, لها أهدافها, وأولوياتها الخاصة, في صراعها مع الولايات المتحدة, بعد أن وجدت , في العراق الساحة الأمثل, لتصفية حساباتهما, حتى لو كانت على حساب الدم العراقي.

ونوهنا في حينه ,عن معضلة مُسلمة, وقوع فصائل المقاومة, في إشكالية التخندق المذهبي, والطائفي, والمناطقي ,وانغماسها في لعبة المسميات, التي تم استدراجها إليها, بشكل مدروس وممنهج, والتي عبرت عنها ظاهرة  إطلاق تسميات مذهبيه على الجهد المقاوم, كتسمية مقاومة المثلث السني, وغيرها من التوصيفات المنطوية على انتماء طائفي , والتي لم تأتي عن فراغ ,وإنما هو نتيجة وقوعها في فخ نصب لها, لغرض عزلها عن بقية مكونات المجتمع العراقي, وخلق تجاذبات وإرهاصات, في داخل البنية الاجتماعية, وبالتالي بث سموم التخندق الطائفي المذهبي بينها, وقد نجح العدو فيما ذهب اليه, حيث بدا هذا التخندق واضح بعد وصول حكومة وصفت بأنها شيعيه او ترتدي عباءة شيعيه, إلى دفة الحكم ,والتي تزامنت مع أحداث تفجير المراقد في سامراء, وما تلاها من أحداث عنف, حيث بدأت مرحله جديدة في مسيرة المقاومة ومرت بانعطاف جذري في توجهاتها ,وطغت على معظم فصائلها النزعة المذهبية ,وبدت عملياتها مرتبكه, لا تفرق بين جنود الاحتلال وبين الإنسان العراقي, الذي أصبح ضحية مزدوجة للاحتلال ومليشياته من جهة, ولبعض من فصائل المقاومة من جهة أخرى ,مما افقدها الحاضنة الشعبية لها, وبالتالي انحسرت عملياتها, وأصابها الوهن والتقوقع, كما أن القاعدة ,التي ينظر إليها البعض بأنها الركيزة الأساسية, التي التفت حولها وانصهرت في بودقتها الفصائل السلفية, قد ذهبت بعيدا في مواجهتها مع الأمريكان, في إطار فلسفة الصراع في العراق, بأنه صراع بين الإسلام والكفر, وهذا لا يختلف تماما عن فلسفتها, خلال حقبة قتالها ضد الاحتلال السوفيتي سابقا في أفغانستان ,حيث كانت تعتبره بين الإسلام ( القاعدة) وبين الكفر (الاتحاد السوفيتي في حينه),ومن ثم خلقت لها عدو جديد, وهو الشيعة, ووضعتهم تحت مسمى الكفر, وثقفت لمشروع جهادي يتخطى الحالة العراقية ,فوقعت في اخطاء, بل ارتكبت جرائم ,اربكتها و عزلتها عن محيطها الحاضن  وكل هذا منح الأمريكان الفرصة الذهبية,  في استثمار هذه الأخطاء لصالحها,  و إنضاج مشروع الصحوات , الذي اخذ على عاتقه محاربة حليف الأمس ( القاعدة) وتشتيتها, إن لم نقل القضاء عليها.

 

وحذرنا, من خطورة الانقلاب الجذري, في إستراتيجية الجماعات, التي رفعت راية المقاومة, في بداية المواجهة, والتقاءها مع عدو الأمس ( المحتل الأمريكي), وتخندقهم في جبهة واحده, تحت مسميات, وأعذار, وحجج واهية ,كمواجهة القاعدة, والوقوف بوجه التدخل الإيراني بالعراق, والذي خلق نوع من الفوضى الأخلاقية لمفهوم المقاومة ,وأشاع روح الإحباط لدى مناصريها, ومؤيديها ,على جميع الأصعدة, بل ذهب البعض منهم بعيدا, في مواقفه وطرح  تساؤلات جريئة, احتاجت إلى وقفه طويلة, لمراجعتها ,ومذاكرتها بحياديه وجديه , خصوصا بعد طفوا رائحة مستنقعات الارتداد,والمهادنة ابتدأً من شرعنه مشروع الصحوات,  ومن ثم اجتماعات البحر الميت, واسطنبول, وبيروت, وما تلاها من خطابات الاستجداء, وطلب الرضا والتراضي, والتي جرت الآخرين, إلى حمى التخويلات, والتفاوض المرتقب.

وطرحنا تساؤل موضوعي, منطلق من المسؤولية الوطنية والأخلاقية التي تربينا عليها, وبعيدا عن الجدلية الفكرية والمذهبية ,التي سيطرت على عقول البعض ,هل كان لهذه المقاومة (وهنا اخص بالتحديد) الفصائل التي نعتت نفسها بالمقاومة السنية , أن تتخذ خط متشدد تارة, وضبابي تارة اخرى في استرتيجية عملها, والذي وصل في النهاية , الى التحالف مع العدو كما اشرنا سابقا, لو كانت العملية السياسية ,التي شرعها الاحتلال, قد اوصلت ,من يمثل السنة العرب بالعراق, الى رأس السلطة في بغداد,  وضمنت لهم رئاسة الحكومة ,وقيادة اجهزتها العسكرية والأمنية, بدلاً من وصول حكومة شيعيه متحالفة مع الأكراد؟ وهل  إن هذه الفصائل, قد حملت السلاح من اجل الوصول الى كرسي الحكم, الذي  خسرته طائفتها , بعد احتلال العراق 2003 ؟ أم إنها حملت السلاح ,من اجل طرد المحتل الأمريكي الغازي , وبناء عراق ديمقراطي تعددي مكفول وضامن للجميع ؟

 واستخلصنا بالنهايه , ومن خلال كل الدلائل والمؤشرات ,التي افرزتها مرحلة الاحتلال, ومعها تقلبات مناخ العمل المقاوم , إن مشروع المقاومة , في طريقه الى التقوقع ,والانزواء, والانحسار, وسيصبح ورقه للمزايدة, بدلا من بندقية للتحرير الشامل, وبالتحديد, بعد نضوج ثقافة الصحوات ,وبروز مشاريع البحث عن السلطة, على حساب ثوابت العمل المقاوم,  والانحدار في هاوية الفئوية الحزبية الضيقة, والمناطقيه المذهبية.

 اليوم , بعد اكثر من ستة سنوات, على انطلاق المشروع المقاوم العراقي, المضاد الى المشروع الاحتلالي الأمريكي,  وكل ما رافقهما, من تغييرات, وتداخلات ,واصطفافات , لعبت عليهما تارة بالسلب, وتارة بالإيجاب, نعود مرة اخرى, لنتذاكر بكل ما ذهبت إليه قراءتنا, وتحذيراتنا ,والتساؤلات التي اثرناها ,في المرحلة السابقة, حول ماهية المشروع المقاوم  وتطوراته وخفايا مسيرته, و نتساءل بكل موضوعيه, وبدون لف ودوران, واستحياء في الطرح, وإرضاء لهذا الطرف او ذاك .

 هل حققت المقاومة اهدافها المشروعة بالتحرير او على الأقل  هل اقتربت من الهدف الذي انطلقت من اجله ؟ أم إن الوهن والتشتت, والانزلاق في دوامة المشاريع السلطوية, قد ابعدها عن اهدافها,؟

بعيداً عن الشعارات الفكرية, والهتافات الثورية, والتغني بالماضي , التي يتخفى ورائها البعض , فأن اغلب الفصائل العراقية المسلحة, التي رفعت شعار المقاومة, والجهاد, والتحرير, والتغيير, والتبديل, ومسميات لا حصر لها ولا عدد ,قد انزلقت الى صراع المصالح الفئوية والحزبية الضيقة, وزجت بنفسها في لعبة البحث عن المكاسب المرتقبة, واغتنام الفرص ,التي ربما سيتكرم بها عليهم المحتل, عن طريق ادواته في المنطقة التي جاءت به بالأمس, الى احتلال العراق , فخرجت هذه الفصائل , عن ثوابت العمل المقاوم, وانزوى فعلها العسكري على الأرض, وأصبحت اسيرة الخطابات ,والشعارات ,والمزايدات, وتحولت من بندقية مقاتله على الأرض, الى مقاومة الفضائيات والأعلام المدفوع الثمن, ومؤتمرات فنادق الخمسة نجوم, ومفاوضات خلف الكواليس, بينما مشروع الاحتلال الأمريكي الصهيوني, يتعافى ويخطوا الى الأمام, بخطوات مدروسة وحكيمة , من خلال ترسيخ  عمليته السياسية, التي رعاها وتبناها في بغداد, ومن ثم قيامة بإعادة انتشار قواته على الأرض, في قواعد ثابتة ومحصنه , تضمن له القدرة الكبيرة, على المناورة والبقاء متمسكاً بمشروعه المرسوم,  وفي نفس الوقت, يكون قد كسب رضا الشارع الأمريكي والعراقي, وفق لعبة الانسحاب المزعوم من المدن العراقية, وإعطاء السيادة للعراقيين, بموجب الاتفاقية الأمنية ,والتي هي في حقيقة الأمر, حلقه مُكمله لمشروع الاحتلال, وليست متقاطعة معه .

 إن من يدعي, بأن المقاومة قد انجزت مهماتها المرسومة, او حتى اقتربت من اهدافها ,ويتبادل التهاني والتبريكات ,من خلال خطابات وبيانات بائسة ورخيصه, محاولاً تصوير خروج قوات الاحتلال من المدن, وإعادة انتشارها في قواعد ثابته خارجها, هو النصر الذي حققته المقاومة, ودفع من اجله العراقيين انهار من الدماء, وملايين من الثكلى والأيتام,  فهذا هو قمة الانهزام من الحقيقة, والضحك على المغفلين فكرياً , فهل  يدرك هؤلاء الحالمين, ان عدد المليشيات المدنية, والشركات الأمنية, والمرتزقة, الموجودين على الأرض, وفي داخل المدن, يفوق عدد الجنود الأمريكان, الذين تم سحبهم من الشارع ؟ وهل يذكر أصحاب دعوات عدم التعرض الى قوات الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية ,والصحوات , الكم الهائل من البيانات والتصريحات التي اصدروها على مدى السنوات السابقه, والتباكي والتظلم , مِنْ انَ هذه القوات والأجهزة , قد بنيت على اساس طائفي, وان  منتسيبيها ,  من فيلق بدر الإيراني, وجيش المهدي, وفرق الموت الصفويه , فيا سبحان الله مغير الأحوال , فلقد تحولوا  بقدرة قادر, الى  كثرة من الخيرين , كما جاء في خطاب يوم النصر العظيم الجديد, ام ان كل هذا, من اجل عيون صحوات مجالس الديوثين, التي  تبناها بعث سفير مقاومة سيدي الرئيس المختاري ؟ 

عذراً لكل الدماء الزكية, التي سالت من اجل التحرير, وعذرا ً لكل بندقية شريفه, قاتلت ولا زالت تقاتل, من اجل تحرير العراق, وإعادته سالم معافى الى اهله, ولكن عليهم الانتباه والابتعاد, عن اصطحاب المشاريع السلطوية النفعية ,فحجم المؤامرة على البندقية المقاومة الشريفه والخالصة لوجه العراق اكبر مما يظن الآخرين.