دراسة عن الوضع العراقي قبل وبعد الاحتلال والاهداف الحقيقة لتدمير العراق
احمد الربيعي/ العراق ...المحتل
البعد الدولي لاغتيال العراق
الحلقة الاولى
دخلت القوات الأمريكية إلى ارض العراق، وزعموا قادة الحرب أنهم يهدفون إلى تحرير لا فتح العراق ، ويبدوا أنها نفس النغمة التي استعملها المحتل البريطاني عام 1914، حيث زعمت الإدارة الأمريكية أنها جاءت من أجل إن تحرر الشعب العراقي من الطاغوت والدكتاتور، وتؤسس لحكم ديمقراطي يقوم على أساس حكم الشعب وبما يرغب به من إشكال الحكم.
غير إن الذي حصل و يحصل وبعد خمس سنوات من »التحرير« بعيد كل البعد عن كل
ادعاء او اعلام يتحدث عن التحرير، وفيما يلي ندرج أهم ما جاءت به الحملة العسكرية الأمريكية للاحتلال العراق:
1. الجانب الأمني
انعدام الأمن في جميع مفاصل العراق وعلى جميع الأصعدة ، حيث الاغتيالات والتصفيات الجسدية لجميع الشرائح والطوائف ، وليس فقط عند هذا الحد ، فقد توسعت العملية إلى اغتيال وتصفية الكوادر العلمية والطبية والثقافية والدينية وهناك حالة تثير التساؤل ظهرت بعد سقوط اللانظام وهي تصفية جميع الشخصيات والقيادات التي شاركت في قصف المدن والقواعد العسكرية الإيرانية اذبان الحرب العراقية الإيرانية ، ولم يقتصر الأمر على هذا المجال حيث توسعت القضية لتشمل الثروات العراقية ، حيث وصل الأمر إلى المساومة على ثروات العراق بين الأحزاب المتحالفة وتقسيم الواردات في بنوك خارجية واستثمارات في دول أوربية .
انعدام الأمن كانت له تأثيرات جانبية بالإضافة إلى الآثار المباشرة ، حيث تأثرت الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية بفقدان الأمن ، ولو جاز لنا التمعن في هذه الأمور لتمكنا من الإحاطة بالبعض من المخطط الصهيوامريكي الرامي إلى تدمير العراق من كافة النواحي .
الغاية من انعدام الحالة الأمنية وفقدان الاستقرار الأمني للمواطن
يمكن استقراء الغاية من انعدام الأمن في الحياة العامة للمواطن العادي بعدة أوجه منها:
أ. مع انعدام الأمن والاستقرار تبقى الحاجة لبقاء قوات الاحتلال تحت مسوغ الحالة الأمنية التي تستدعي بقاها.
ب. مع انعدام الأمن وبالأخص امن القيادات السياسية التي ترضى عنهم الإدارة الأمريكية فأنهم يكونوا بحاجة ماسة إلى بقاء المحتل ، لأنه ببقاء المحتل تبقى الكراسي والمناصب تحت سيطرتهم ، لذا تراهم من الساعين والراغبين إلى بقاء المحتل ويمكن أكثر من الادراة الأمريكية وهذا الأمر يتضح من خلال خطابهم الإعلامي ، حيث عندما يتحدثون عن الأمن يقصدون بالدرجة الأولى أمنهم وامن الحاشية المحيطة بهم ولنا على هذا الأمر شواهد لا يتسع المقام لذكرها.
ج. استمرار عمليات سرقة الثروات التي يتمتع بها العراق من دون رقيب وبدون محاسبة تذكر وتحت ذريعة انعدام الأمن مثلا لا يتم نصب مقاييس رقمية لتسجيل كميات النفط المصدرة من الموانئ وأرصفة الشحن ، ولا يتعلق الأمر بالثروات النفطية وحسب ، رغم أنها الهدف الأساسي ولها حصة الأسد من تهافت عيون الدول الغربية منها والإقليمية على العراق ولكن توجد ثروات أخرى هي تحت النظر بحيث يتم استغلال حالة انعدام الأمن من اجل تهريب مثلا الثروة الحيوانية (أغنام وأبقار وجمال إلى الدول العربية المحيطة وخصوصا السعودية والكويت) وكذلك تهريب ما تبقى من مكائن ومصانع كانت في السابق تعمل في هيئة التصنيع العسكري ومنظمة الطاقة الذرية المنحلتان ، وهذه المكائن (توجد لدينا شواهد على ذلك) تم سرقتها وتهريبها إلى الشمال العراقي بمعية قوات البيشمركة وبعلم الجيش الأمريكي ولا زال ولحد ألان يتجول عملاء الادراة الكردية في الأماكن الصناعية في بغداد وبقية المحافظات لشراء المكائن والعدد لكي يكون السوق العراقي واليد العاملة العراقي الصناعية خصوصا معطلة وهذا احد أهداف احتلال العراق ، لأن أمريكا والدول العربية والإقليمية تريد من العراق بلدا استهلاكيا منهكا لا يمتلك سبل النهوض الحضاري والعمراني لكي يبقى محتاجا إلى وجود وبقاء الأجنبي ويبقى متخلفا عن بقية الدول العربية والإقليمية المحيطة به ، لأنهم يعرفون إذا تعافى العراق من جميع ما يعاني منه وخرج المحتل سيكون خطر يهدد عروش الحكام ومطامع إسرائيل في المنطقة على وجه الخصوص وهناك تفصيل نوكله إلى المقالات القادمة إن شاء الله.
د. أعلن رئيس دولة الاحتلال (بوش) انه نقل ساحة المواجهة مع تنظيم القاعدة إلى العراق ومع استتباب الأمن يكون العراق خالي من الجماعات المنطوية تحت تنظيم القاعدة ويمكن إن تعود مرة أخرى إلى أمريكا أو إلى أوربا وتضرب المصالح الأمريكية ، لذا من الأفضل إن يكون العراق غير مستقر من الناحية الأمنية ليكون ملاذ امن للجماعات المسلحة والتي تريد ضرب القوات الأمريكية ، فتراهم (أي القوات الأمريكية) يتركون مساحة محدودة لتنظيم القاعدة للعمل في العراق ويسمحون لانتقال نشاطات التنظيم من منطقة إلى أخرى ولا يريدون القضاء بشكل تام على جميع أنشطته ، فمرة في ديالى وأخرى في صلاح الدين وأخرى في الموصل وحتى في الشمال والجهة الغربية لكي تبقى المصالح الغربية عموما والأمريكية على وجه الخصوص والمواطن الأمريكي بمنى عن هجمات القاعدة ولا يتحقق هذا الهدف إذا استقر الوضع الأمني في العراق وقد صرح احد المسئولين الامنيين الامريكيين انه اذا استقر الوضع في العراق فأن تنظيم القاعدة سينتقل الى الدول المجاورة والعربية على وجهة الخصوص لذا فأن الهدف والمصلحة مشتركة بين الدول العربية والادارة الامريكية في ان يكون الوضع العراقي غير مستقر لكي تكون بلادنهم في مأمن ويموت العراقيين لكي يبقى مواطنيهم بمأمن من القاعدة .
هذه بعض الامور التي تدفع الادراة الامريكية الى العمل على عدم استقرار الوضع العراقي ننتقل الان الى الجانب الاخر من الجوانب التي جاءت بها وسببتها الحملة العسكرية الامريكية للاحتلال العراق.
2. الجانب الاقتصادي
تعتبر ازمة الطاقة وتوفر مصادر البترول في السوق العالمية من اشد المشاكل تعقيدا بالنسبة للدول الصناعية السبع الكبرى والتي تعتمد على حوالي 40% من وراداتها من البترول على منطقة الخليج ، ويعتبر العراق وخلال السنوات المنصرمة من اكبر مصادر البترول ، لكون الابار المكتشفة لم يتم استخدامها وكذلك توجد المئات من التي لم تكتشف بعد وبالاضافة الى البترول العراقي (الذي يعتبر من ارقى الانواع حسب التصنيف العالمي) توجد مصادر اخرى للطاقة متوفر في ارض العراق منها جبل اليورانيوم الطبيعي على تخوم محافظة كركوك وكذلك مادة الزئبق الاحمر في أهوار محافظة العمارة بالاضافة الى الخزين الهائل من مادة السليكات في الجهة الغربية والعديد والعديد من المصادر التي انعم الله بها على العراق ، والامر الاخر ان العراق يعتبر رأس الخليج ويحتوي على نهرين عظيمين بالاضافة الى العديد من اليانبيع الطبيعية ، لا يمكن ان تترك الادارة الامريكية جميع هذه الثروات بيد العراقيين الشرفاء الوطنيين ، لأنه وببساطة ستكون هذه المصادر سلاح يمكن ان يقضي على الامبراطورية الفرعونية الامريكية ومن تبعها من الدول العربية والاقليمية لذا يجب ان يكون الاقتصاد العراقي:
أ- يكون الاقتصاد العراقي متعبا ومثقلا بالديون وتكون العملة العراقية ضعيفة امام العملات الاخرى ، وعلى الرغم من ان العملة العراقية وفي بداية ثمانينات القرن الماضي اعلى من الدولار فهي الان اقل من الدولار باضعاف (1 دولار = 1220 دينار عراقي تقريبا) في حين ان العراق كان في تلك الفترة يصدر نفط بكميات اقل من الان ويمتلك الان رصيد في البنوك الاجنية ورصيد من الذهب بما يفوق ما كان عليه في تلك الفترة ، فأين الخطاء ؟!!
ب- بقاء العراق تحت البند السابع ، وهو عدم تحكم العراق باموال النفط المباع والمسجل ، وهنا يمكن ان ندرج شياء مما يحصل خلال عملية التصدير ، وهي عملية شهدنا وقاعها في ميناء البصرة مؤخرا، حيث تسجل السفينة الفلانية او اللانش العلاني أنه ينقل مثلا (5000برميل نفط خام) وبالواقع انها تنقل بما يفوق (10000 برميل) الفائض من الرقم يهرب وبطريق رسمي وتذهب عوائد الاموال الى الاحزاب المتنفذة في الميناء ، الا تعلم الولايات المتحدة بهذه الامور ، لماذا لا تضع لهذا الفساد الذي يضرب الاقتصاد العراقي بالصميم ؟!! ، الامر هو ان الادارة الامريكية تعلم وتدفع البعض لممارسة مثل هذه الاعمال .
ج- عمدت امريكا الى اعتماد اسلوب العصا والجزرة مع الكيانات السياسية التي دخلت بالعملية التي تسمى بالسياسية ، وهذا الاسلوب مبني على اعطاء الفرصة لأعضاء هذه الكيانات بالتمتع بشي من ثروات العراق وسرقة العائدات التي تدخل الخزانة العراقية من كافة المصادر ،النفطية منها والسياحية ، وبهذا تكون هذه الكيانات عبارة عن (حيتان) تلتهم ثروة العراق ولفئة معينة وتبني لنفسها امبراطورية داخل الحكومة (كما هو الحال في التعاملات التجارية التي يشرف عليها عمار اللاحكيم) وتنقل هذه الاموال الى خارج العراق في بنوك دول الجوار، وعند حدوث أي خطر على مصالحهم يكونوا قد بنو لأنفسهم وعوائلهم و لأعوانهم ثروة على حساب المواطن العراقي المحروم من ابسط الحقوق التي من الواجب ان توفرها الحكومة او من يقوم بحكم العراق .
3. الجانب الاجتماعي (الأسري – العام)
عاشت العائلة العراقية في ظل العديد من الصعوبات والمشاكل التي ما انفكت مستمرة ومتلاحقة الواحدة بعد الاخرى ، وهذا الامر ادى الى ان رب العائلة او المعيل يبتعد عن المنزل فترات طويلة قد تصل طيلة اليوم ولا يتمكن من مشاهدة جميع افراد عائلته الا في عطلة الاسبوع او قد لا يتمكن ، وذلك بسبب انشغاله بالعمل وارتباطه باكثر من وظيفة وعمل خارج العمل والوظيفة الرسمية او اليومية ، الامر الذي ادى الى ان الاطفال او المراهقين يعيشون حالة من عدم المتابعة والمراقبة من قبل ذويهم ، وانخراطهم في الشارع او مع الزملاء في الدراسة سواء كانوا في المدرسة او الكلية او المعهد.
هذا الحال قبل دخول القوات الامريكية الغازية الى ارض العراق ، ولكن بعد الاحتلال تحول الوضع الاسري والاجتماعي نحو الاسوء ، حيث وبدخول الاطباق الفضائية (الستلايت) واجهزة الهاتف النقال (الموابيل) زادت الفرقة بين ابناء الاسرة الواحدة ، حيث عمدت قوى الاحتلال الى جعل العراق سوق استهلاكية لجميع انواع البضائع الرخيصة التي لا تتمتع بسمعة صناعية ، وهذا الامر ادى الى ان العائلة الواحدة تمتلك اكثر من جهاز تلفاز ومستقبل بث فضائي ، حيث اصبح الفرد ينفرد بخصوصية منعزلة ، وكما ان التلفاز كان يجمع العائلة عند المساء اصبح يفرقهم ويشتتهم ، فلم يعد الاب يرى الابناء الا مصادفة والابناء منشغلين بالموابيل والاجهزة الاخرى ، ونعتقد ان جميع هذه الامور قد تم التخطيط لها ودراسة اثارها في المجتمع لأن الادارة الامريكية من المستحيل ان تقدم على دخول العراق من دون دراسة عامة للحياة الاجتماعية وكيفية الهاء المواطن العادي عن وجودها وضرورة اخراجها ، وابسط الامثلة على هذا ، هو ازمة الكهرباء ، فالكل يعلم ان الطاقة الكهربائية متوفرة في العراق ويمكن ان يكون المنتوج المحلي من الطاقة كافي ولو في بعض المناطق وحتى لو حدث نقص فأنه لا يؤثر على امدادات الطاقة بحيث تصل ساعات القطع الى اكثر من 20 ساعة ولا احد يعترض من الشعب او يخرج بمظاهرات وكلما ياتي وزير يصرح في بداية توليه الوزارة انه سيقضي على الازمة ولكن بعد حين عندما تبدا الصفقات والاموال تجري بايديهم وتحت علم ونظر الادراة الامريكية تتبخر تلك التصريحات في اجواء العراق المشحنة بالسرقات والظلم ، اقول قامت الادراة الامريكية بفتح الاسواق واستيراد المولدات الصغيرة لكي تحقق منها عدة اهداف منها القضاء على ازمة الكهرباء وعدم طرح تسأولات حولها من قبل المواطن ، ومن جهة اخرى خلق ازمات اخرى متلاحقة لكي ينشغل المواطن البسيط بها مثل البنزين والكاز وغيرها وكلها امور مدروسة ومعد لها مسبقا ، ولكن لا احد يلتفت اليها .
هذه الاسباب جعلت من العائلة العراقية عائلة مفككة ومبعثرة لا يلتفت الاخ الى اخيه ولا الاخت الى اختها ولا الاب الى بنيه ولا الام الى اولادها والكل منشغل بالموابيل والستلايت والانترنت والعمل لساعات اضافية والابتعاد عن المنزل والجو العائلي العراقي المعهود، اما في محيط المجتمع فانتشرت ظاهرة المصالح المتبادلة والمحسوبية ، حيث في السابق عندما كانت العلاقات الاجتماعية مبنية على الحب والتفاهم والتقارب في مستوى التفكير والتعليم والتوجهات وحتى ضمن المنطقة الواحدة (المحلة) كانت وعلى سبيل المثال عندما تكون هناك حادثة وفاة او امر ما يجتمع جميع افراد المحلة من كبار في السن الى الشباب وصولا الى الاطفال والنساء لكي يساعدوا اهل المتوفي ، ولكن الذي حدث ويحدث هو غياب هذا الامر بالتدريج وضياع مثل هذه الامور من وسط المجتمع العراقي وبذلك تكون الالفة والتقارب واللحمة بين ابناء المجتمع مفقودة .
....وللحديث تتمة...