متى ستكون الأولوية لأولويات الأمة؟


د. علي محمد فخرو

ما الذي يحدث لأية أمة إن هي غير قادرة على حسم موضوع الأولويات في حياتها السياسية؟ الذي سيحدث هو بالضبط ما نراه ماثلاً الآن أمامنا في الساحة السياسية العربية. فما هو الموضوع الذي يجب أن يكون أولوية الأولويات في دفتر الحكومات العربية والإعلام العربي ومؤسسات المجتمع المدني السياسية؟ جواب هذا السؤال ينبغي في اعتقادي أن يكون: دحر المشروع الامبريالي الأمريكي ـ الصهيوني.

         وهو مشروع يهدف إلى احتلال أكبر مساحة ممكنة من الأرض العربية، إلى استغلال ونهب أكثر ما يمكن من الثروات العربية، إلى منع أي نوع من الوحدة العربية سواء أكانت بين قطرين أو أكثر من ذلك، بل والإمعان في زيادة التُّفتيت والتجزئة على أسس عرقية أو مذهبية أو اقتصادية نفعيًّة أو لغوية. وبمعنى آخر الإبقاء على تخلُّف الأمة العربية في كل الميادين من خلال إنجاح السياسات التدميرية السابقة بكل وسيلة سياسية وعسكرية وإعلامية.

من هنا فان كل مكونات المشروع النهضوي العربي ستبقى مستحيلة التحقيق دون كسر شوكة المشروع الأمريكي ـ الصهيوني المضاد للمشروع العربي والممعن في النًّماء والتمدٌّد والتجذُّر في تربة الوطن العربي كلُّه. ويخطئ أي قطر عربي، مهما كبر أو صغر، إن اعتقد بأنه في منأى عن أذرع هذا الأخطبوط. المفجع هو أن قوى الأمٌّة كلًّها لا تتصًّرف حسب هذه البديهيًّة السًّاطعة وتقلب الأولويات التي عبثاًّ تسعى لتحقيقها. دعنا نستعرض المسرح السياسي العربي ونشير إلى بعض الأمثلة الساطعة المفجعة.

أولاً ـ إن القضية الفلسطينية قد أرجعها النازي الصهيوني نتنياهو إلى المربُّع الأول، بخطاب واحد أنهى وجود كل القرارات الدولية وكل الاتفاقيات المرحلية، على بؤسها وظلمها وعبثيتها، ومحا المبادرة العربية من الوجود ورسم مستقبلاً مظلماً ممتلئاً بكل حقارة عرفتها البشرية عبر تاريخها الطويل كلًّه. وبدلاً من أن تتنادى القيادات الرسمية العربية للردُّ على ذلك الخطاب الجامع المانع بخطاب عملي مضاد جامع مانع ووضع برنامج عملي لتنفيذه في حالة إقدام القوى الصهيونية في فلسطين المحتلُّة على تنفيذ أيٍّ مما جاء في خطاب نتنياهو، وبدلاً من جمع كل القوى الفلسطينية الفاعلة ( في الداخل والخارج ) في مصالحة تاريخية وذلك، للإتفاق على برنامج وطني مضاد، بدلاً من فعل ذلك انصبًّت الجهود على إجراء مصالحة بين الفصائل الفلسطينية على أساس إخراج هذا الأسير أو ذاك ووضع جدول زمني لانتخابات في وطن لن يبقى منه شيء في المستقبل القريب وتكوين حكومة لن يكون أعضاؤها أكثر من مخاتير في قرى البؤس والشًّقاء الفلسطينية. ويتبارى الإعلام العربي في عقد اللٍّقاءات الحوارية بين هذا المخادع الكذًّاب الصهيوني وبين ذاك المخدوع الهازل العربي وذلك من أجل فك ألغاز خطاب هو أوضح وأسطع من أنوار الشُّموس. وتتثاءب منظًّمات المجتمع المدني السياسية لتصدر بيانات كوميدية لا تقنع أحداً ولا تضغط على أحد.

ثانياً ـ إن المقاومة في الجنوب اللبناني هي أحد أهمًّ مكونات توازن الرٌّعب مع الكيان الصهيوني، وقد أثبتت ذلك بالتضحيات الجسام. غير أن الساحة العربية لا تشاهد إلاُ اجتماع بعض من مسؤولي العرب الكبار لا لبحث سبل إقناع حلفائهم في لبنان بعدم المساس بسلاح المقاومة وحامليه وإنما لإيجاد وسائل وتوازنات دولية ومحلية لتحييد ذلك السلاح ومحاصرته وجعله ديكوراً غير قابل للدفاع عن لبنان والأرض العربية. ولقد استطاع بعض الإعلام العربي أن يغمس طهارة المقاومة اللبنانية البطولية في وحل الصّراعات المذهبية والحزازات الإقليمية ليخدم بذلك الأهداف الأمريكية الصهيونية وأهداف بعض القوى العربية المهووسه بحروب المذاهب.

ثالثاً ـ إن الثورة الإيرانية الإسلامية قد جعلت من ايران الدولة أهم عقبة في وجه هيمنة المشروع الأمريكي الصهيوني. لكن العديد من الأنظمة العربية والكثير من وسائل الإعلام العربية والعديد من الحركات الإسلامية والليبرالية السياسية انشغلت وشغلت العباد بموضوع هامشي يدور حول بضعة من السنُّة المسلمين انقلبوا إلى بضعة من الشيعة المسلمين، وقد يكون العكس أيضاً. ومن هنا موقفها المخزي من أحداث ما بعد انتخابات الرئاسة الإيرانية. وبدون شعور انضمت إلى معسكر من يريدون إزاحة هذه العقبة الايرانية الصُّامدة منذ ثلاثين سنة أمام المشروع الأمريكي ـ الصهيوني.

الأمثلة كثيرة، وهي جميعاً تشير إلى أن التفكير الاستراتيجي البعيد المدى قد أصبح عملة نادرة في حياتنا السياسية. وكالأطفال السذًّج تتحكُّم الآنيًّة واللًذات العابرة والعواطف الفجًّة في تصٌّرفات بعض المسؤولين العرب الكبار لتحيل قضايانا القومية الكبرى إلى رماد من المماحكات والمناكفات والإستزلام للخارج ومبدأ 'بعدي الطوفان'.