قوة الدول .. وهشاشتها


د. خلف الجراد

تنظر الدراسات الجيوستراتيجية إلى (قوة الدولة) من خلال محصلة قدراتها الاقتصادية والسكانية والعلمية والعسكرية والاجتماعية والثقافية, ومجمل مواردها الطبيعية, وموقعها الجغرافي وغير ذلك من عناصر أساسية, لكن هذا المجموع ليس مسألة كمية ثابتة ودائمة,

وإنما تشكل معطيات وإمكانيات وقدرات قابلة للاستثمار الجيد, أو الاستعمال غير الرشيد, أو حتى التدمير والإفناء, فالمعروف أن هناك دولاً يتوافر لديها عدد من عناصر القوة ومع ذلك تشغل مرتبة أدنى من المتوقع لها في مقاييس القوى الدولية القائمة.‏

أسئلة وتساؤلات واستقراءات تاريخية حاولت وضع معادلات محددة واستخراج القوانين الناظمة لصعود الدول والقوى العظمى وضعفها, ومن ثم سقوطها, أو زوالها (كما فعل بول كنيدي في كتابه الشهير (صعود القوى العظمى وسقوطها)) رغم حيازتها عدداً كبيراً من عناصر القوة الطبيعية والعسكرية والاستراتيجية. فبدأ التفكير بعوامل أخرى موازية كالبنية السياسية والقيمية والأخلاقية والتجانس الاجتماعي والقومي.. وكيفية معالجة الدولة والمجتمع المعنيين للمشكلات والقضايا الطارئة, التي تظهر أول الأمر عادة في الأطراف والمناطق النائية, ومن ثم تكبر وتتسع لتتحول إلى ظواهر مجتمعية وبؤر صراعية خطيرة, إن لم تعالج بصورة ناجعة ومتوازنة وعقلانية.‏

ومن هنا برز اهتمام علماء الاجتماع والسياسة بعناصر موازية (كانت غائبة عن تحليلات الاستراتيجيين التقليديين) في مقدمتها مدى قوة القانون في تلك الدول, والالتزام بتطبيق العدالة الاجتماعية, وتكافؤ الفرص, ومساواة المواطنين في الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية, وهي متغيرات شديدة الأهمية لتحقيق التوازن الاجتماعي من جهة, وتعزيز مشاعر الانتماء الفعلي.. وسيادة مفهوم المواطنة من جهة أخرى.‏

وبالمقابل فإن غياب تلك العناصر والمتغيرات السياسية والقانونية والأخلاقية على خلفية الضعف في القدرات الاقتصادية والانتاجية والأمن الغذائي, وعدم احترام القانون العام, إضافة إلى الاستتباع للخارج, مع عدم القدرة على معالجة التوترات وبؤر الاضطرابات المتفجرة في الداخل, ومحفزات عدم الاستقرار.. تؤدي إلى فشل الدولة بالقيام بوظائفها الأساسية, وتحولها التدريجي إلى الرخاوة (المرَضّية) والهشاشة.‏

وقد لخص جلال أمين خصائص (الدولة الرخوة) نقلاً عن عالم الاجتماع غونار ميردال كما يلي:‏

- دولة تصدر القوانين ولا تطبقها, ليس فقط لما فيها من ثغرات, ولكن لا أحد تقريباً من (علية القوم) فيها يحترم القانون, وإن طبقت هذه القوانين, فإنها لا تطبق إلا على الفقراء وعامة الناس والمستضعفين.‏

- يلهث فيها الناس للحصول على المناصب لما تجلبه من مكاسب ومغانم.‏

- الفساد والرشوة يشكلان ظاهرة سائدة وأمراً مألوفاً ومتعارفاً عليه.‏

- الولاء الأقوى عموماً للأهل والأقارب والعشيرة والطائفة والمحاسيب, مقابل ضعف الولاء للوطن .. إلا في حالات العدوان والغزو الخارجي, الذي يستهدف الجميع ويوحد مواقفهم.

وبدوره يؤكد المفكر التونسي المعروف هشام جعيط (أن الدولة العربية مازالت لا عقلانية, واهنة, عنيفة, مرتكزة على العصبيات, والعلاقات العشائرية, وعلى بنية عتيقة للشخصية).‏

والخلاصة,:إن العنصر الحاسم والمحوري في قوة الدولة وضعفها, في امكانية صعودها وانحدارها, في تنامي قدراتها أو في رخاوتها وهشاشتها.. إنما يتمثل بمدى توفيرها لأسباب العدل والعدالة بجوانبها الدستورية, والقانونية ,والاجتماعية, والاقتصادية, والسياسية, والثقافية, وما يترتب على ذلك من ترسيخ قيم (المواطنة) التامة, بدلاً من مفهوم (الرعية), المرتبط تاريخياً وثقافياً وسياسياً بالحالة القطيعية الإكراهية, والبُنى التقليدية وإفرازاتها المتخلفة.