"عملية الجرّافة" والتهدئة الشاملة
كتب : عريب الرنتاوي
حتى كتابة هذه السطور، لم يكن
واضحا بعد، ما إذا كان منفذ "عملية الجرّافة" في القدس، قد فعلها بدافع انتقامي
فردي، وما أكثر الدوافع التي تحرك الفلسطينيين نحو الانتقام، أم أنه عضو في خلية تتبع
فصيلا لم يكشف عن هويته بعد.
لكن وبصرف النظر عن هذه
التفاصيل، فإن عملية الدهس الجماعي التي نفذها فلسطيني في قلب القدس، تعيد الاعتبار لمطلب
التهدئة الشاملة والمتزامنة والمتبادلة، الذي كانت تصر عليه مختلف القوى الفلسطينية،
وتعارضه إسرائيل الراغبة بالاحتفاظ بيد طليقة في الضفة الغربية.
من منظور اتفاق التهدئة، لا تعد
هذه العملية خرقا للاتفاق أو تجاوزا على التهدئة، وقد سبق لإسرائيل أن
نفذت عمليات اغتيال ودهم واعتقال وتجريف واستيطان في الضفة، تحت جنح التهدئة وبذريعة
أنها لا تشمل الضفة الغربية، وعندما أطلقت حركة الجهاد صواريخها من غزة ردا
على مقتل اثنين من كوادرها في الضفة، قيل أنه لا يجوز للجهاد أن تفعل ذلك، فإسرائيل
بقتلها كوادر جهادية في الضفة لا تكون قد خرقت اتفاق التهدئة القائم على فلسفة:
"غزة أولا".
بنفس المعايير والمكاييل، يجب أن لا ينظر لهذه
العملية، وبصرف النظر عن الموقف السياسي أو الأخلاقي حيالها، بأنها خرق للاتفاق الذي
توصل إليه الوسيط المصري بعد جهد مضني بين إسرائيل وحماس، بل يجب أن تعجل هذه
العملية في إقناع دوائر صنع القرار في القدس بضرورة شمول الضفة الغربية باتفاق التهدئة،
واختزال الفترة التجريبية الممتدة لأشهر ست تفصل بين تهدئة غزة وتهدئة الضفة.
عملية القدس، ومن قبلها مسلسل
العمليات الإسرائيلية
العدوانية الذي لم يتوقف في الضفة الغربية، ومحاولات بعض الفصائل
"التفلّت" من مقتضيات
التهدئة وموجباتها وإقدامها على إطلاق صواريخ ضد مستوطنات الجنوب والنقب، جميعها مؤشرات دالة على "هشاشة"
التهدئة، وشواهد على قصوره عن تلبية مقتضيات استعادة الاستقرار والهدوء، ودلائل على وجوب
العمل سريها لسد ثغرات هذه الاتفاق، واليوم قبل غدا، هذا إن كانت هناك نيّة حقيقية
لإنجاح التهدئة واستعادة الهدوء.
أما إن كانت إسرائيل ماضية في
لعبة شراء الوقت وتقطيعه، وتوافق على التهدئة على أمل أن تخرق فلسطينيا أو أن
تتسبب في تعميق الانقسامات الفلسطينية الداخلية، أو توسيع شقة الخلاف المصري
الفلسطيني، فإنها لن تقبل بإدراج الضفة في سياق تهدئة غزة، ولن تتعلم درس الفلسطيني
الذي قرر امتطاء الجرّافة بعد أن سدّت عليه مختلف المنافذ والمخارج والمداخل.
أحسب أن آخر ما كان يمكن أن
يخطر على بال
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، هو أن يمتطي فلسطيني صهوة جرّافة، مؤكد أنها عاثت
استيطانا وتجريفا في الأرض
الفلسطينية، لينفذ عملية تتسبب بكل هذه الخسائر، فمثل هذا "السلاح" لم يؤخذ بنظر
الاعتبار عند بناء "الجدار" ولا في ذروة الاعتقالات
والمداهمات والملاحقات للكتائب
والسرايا والمطاردين والملاحقين.
لا حدود للإجراءات الإسرائيلية الأمنية والعقابية،
الفردية والجماعية ضد الشعب الفلسطيني، ولا حدود للوسائل والأشكال التي ستخطر على
بال الفلسطينيين لتخطي هذه الإجراءات واجتياز تلك العوائق، وإلى أن يقنع
الإسرائيليون بأن لا أمن لهم من دون الأمن للفلسطينيين، وبأن لا سلام لهم من دون السلام
للفلسطينيين، فإن مسلسل العنف ستتوالى حلقاته، ونهر الدم سيواصل جريانه.
03 - 07 - 2008