علامات الزمان في خطبتي نصرالله والقنطار

د. عصام نعمان

أمتع أيام حياتي كانت الأيام الثلاثة والثلاثين بين تموز وآب .2006 تلك الأيام متّعتني, ملء الحواس الخمس, بولادة الأمة من جديد وانتقالها من حال الخنوع إلى حال النهوض, من إدمان التقهقر أمام العدو الصهيوني إلى عنفوان القدرة على دحره على مرأى من العالم اجمع. وفي 16 تموز 2008 أضفتُ يوماً ماتعاً آخر إلى الأيام الثلاثة والثلاثين. إنه يوم عودة الأسرى الأحياء والشهداء من سجون إسرائيل ومقابرها الرقمية إلى فضاء الحرية والكرامة والمجد, وعودة الوعي بقوة الأمة, وعودة الأمـة بقوة مقاومتها إلى ساح الصراع, وعودة الأسرى, بعد حين, إلى فلسطين مقاومينَ محترفين.

تلك الأيام نداولها بين الناس... هل تبقى 34 يوماً فقط?

الى ذلك, ينهض سؤالان: ما سر هذا التحوّل التاريخي? وما علامات زمان المرحلة المقبلة?

لعل الجواب عن كلا السؤالين يكمن في خطبة قائد المقاومة السيد حسن نصرالله, وخطبة عميد الأسرى اللبنانيين والعرب المحررين سمير القنطار.

يقول السيّد - وهذا لقبه الشعبي المحبب- إنه "ما كنا لنصل إلى هذه النتيجة التي بدت في بعض المراحل مستحيلة لولا العامل الأكبر والأساس وهو الصمود والإنتصار في مواجهة عدوان تموز ,2006 وفشل العدو في تحقيق أيٍّ من أهدافه والتداعيات الكبرى على كيانه". غير ان الصمود والانتصار ما كانا ليتحققا لولا عامل أساس سابق ولاحق هو ولادة المقاومة ونموها وتعاظم قدراتها وكفاءة قيادتها وبسالة مقاتليها. انها الثنائية التاريخية المتمثلة بقران القيادة والشهادة.

مفتاح التحوّل التاريخي يكمن, وفق منطق السيّد, في الصمود والإنتصار اللذين "جعلا لبنان والمقاومة يقفان على ارض صلبة لمواصلة عملية التحرير". يؤكد السيّد: "لو هُزمنا في تموز 2006 لما عاد سمير القنطار ولا إخوانه ولا الشهداء ولضاع لبنان ودخلت المنطقة في مشروع الشرق الأوسط الجديد ".

هذه المقاومة القادرة المقتدرة ليست, في رأي السيّد, مقاومة لبنانية وحسب. انها مشروع قديم - جديد: "مشروع المقاومة هو مشروع واحد, وحركة المقاومة حركة واحدة ومصيرها وهدفها واحد, وإن تعددت أحزابها وفصائلها وعقائدها واتجاهاتها الفكرية والسياسية". بل هو يحرص على التأكيد بأن "حركات المقاومة في لبنان وفلسطين تحديداً هي حركات متكاملة تتراكم جهودها لتحقيق الأهداف نفسها: تحرير الأرض والإنسان ".

ولا يكتفي نصرالله بالتأكيد على وحدة حركات المقاومة ووحدة أهدافها وعلى التنويه "بتضحيات المقاومين جميعا من إسلاميين وقوميين وعروبيين, إلى أي اتجاه فكري إنتموا", بل تراه يشير إلى هوية شعوب المنطقة ويؤكدها بقوله " إن الهوية الحقيقية الأصلية الثابتة لشعوب منطقتنا هي هوية المقاومة وإرادتها وثقافتها ورفض الذل والهوان أياً كان المحتلون. على مدى عقود من الزمن تجدون ان راية المقاومة لا تسقط بل تنتقل من حزب الى حزب, من عنوان إلى عنوان, لكن الأحزاب والفصائل والعناوين تبقى مجرد مظهر خارجي. قد يتعب بعضنا أو يبدل خياره, إنما هناك دائما من يستلم الراية ويواصل الطريق ".

على هذه المبادئ والأسس والأهداف يبني سمير القنطار رؤيته للمرحلة المقبلة. القنطار لم يكن عضواً في حزب الله عندما إنطلق في عمليته الفدائية في نهاريّة, شمال فلسطين, العام 1978 لسبب بسيط ان الحزب لم يكن قد تأسس بعد. كان القنطار عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ( جورج حبش). لكنه في سنيّ الأسر, خصوصا بعد إغتيال أمينها العام أبو علي مصطفى, إلتقط راية المقاومة ورفعها عالياً مقتفيا خطى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله. في السجن تتلمذ على فكر السيّد وسيرته الكفاحية وقيادته الفذة للمقاومة الإسلامية, حتى إذا خرج من سجن الإحتلال بدا في كلمته على المنصة في إحتفال عودة الأسرى وكأنه متخرج أيضا من مدرسة السيّد بإمتياز.

في كلمته المرتجلة والمعبّرة, يبدو القنطار وكأنه يقرأ في كتاب معلمه. فهو, مثله, يشدد على فضيلة الصبر وعلى إرادة الصمود. بهما استطاع مواجهة السجّان الإسرائيلي والتجاوب ذهنياً مع المقاومة الإسلامية.

في الخط نفسه, يستذكر القنطار قاعدة كفاحية وسياسية مميزة لشيخ شهداء المقاومة الشيخ راغب حرب مفادها ان "الموقف سلاح" ليعلن, في خطي معلمه نصر الله, بأن المقاومة ثقافة وانه يقتضي ان تصبح ثقافة أجيال. ويحرص عميد الأسرى أيضاً على أن يتذك¯ر "قائداً أسطورياً عظيماً هو الشهيد البطل عماد مغنية", فتراه يخاطبه معاهداً, كما نصرالله دائما: "لن نكون في مستوى دمائك أبداً إلاّ في حالة واحدة هي إجبارنا العدو على ان يشتاق إلى أيامك"!

غير ان أعظم رؤى القنطار هي تلك المتعلقة بفلسطين. فهو إذ يشكر سيد المقاومة وقائدها ومعلمها في سياق تقريع "ذلك الصهيوني الذي قال يوما ان الله لم يخلق الرجل الذي سيخرجك من السجن", تراه يعبّر في بضع كلمات مضيئات عمّا إعتبره الحاضرون والمراقبون كلاماً رامزاً إلى نظرية معلمه حول وحدة المقاومة ووحدة حركاتها وتكاملها بقوله: "فلسطين هي الأغلى على قلوبنا جميعا. لقد عدتُ اليوم من فلسطين, وصدقوني انني لم اعد إلاّ كي أعود إلى فلسطين مع الإخوة في المقاومة الإسلامية"...

المقاومة مستمرة, إذاً. إغلاق ملف الأسرى لن يغلق باب المقاومة. ألا يذكّرنا هذا الكلام بكلام لنصرالله قبل نحو شهرين يشير فيه بوضوح إلى ضرورة البحث في إستراتيجيتين في هذه الآونة: إستراتيجية الدفاع الوطني وإستراتيجية التحرير?

غير ان حصيلة تجربة عميد الأسرى العرب المحررين في سجون العدو وتفاعله مع إخوته الأسرى الفلسطينيين تبدّت بنصيحة حكيمة, وازنة وجهها إلى جميع تنظيمات المقاومة في الوطن السليب داعياً إياها إلى الوحدة لأنه "لن تُغيّر واقع فلسطين الصعب إلاّ وحدة القوى الوطنية والإسلامية على قاعدة برنامج أساسي واحد ووحدة أهداف المقاومة القادرة على تحقيق النصر".

إنها حكمة التلميذ النجيب المستمدة من تجاربه القاسية ومن تعاليم المعلم الملهم الذي وعد تلميذه وإخوته الأسرى بالحرية, وصدق الوعد.

(23/7/2008)