هل الصراح في العراق طائفي في طبيعته

حيدر الخولي

يتم تصوير الأزمة السياسية الراهنة في العراق غالبا على انها صراع طائفي بين رئيس الوزراء الشيعي المذهب من ناحية ونائب رئيس الوزراء ونائب الرئيس – وكلاهما سني المذهب – من ناحية أخرى. ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الطائفية غير موجودة في العراق، ولكن النظرة عن كثب إلى الصراع بين الطوائف، والذي يكون أحيانا دمويا، يمكن أن تساعد على رسم صورة أكثر دقة.

لقد كانت الحرب الطائفية بين المتمردين السنة السابقين والجهاديين السنة الأجانب، وكذلك تعزيزات القوات الأمريكية عام 2007، هي التي ساعدت العراق على تحقيق الاستقرار النسبي. وفي نفس الوقت، كانت هناك اشتباكات بين الجيش العراقي الذي يسيطر عليه الشيعة والميليشيات الشيعية في البصرة.

 

ولكن للأسف عاد الخطاب اليوم إلى رواية الأبيض والأسود المضللة. صحيح أنه كان هناك بعض الاستقطاب على طول خطوط طائفية بعد الخطوات التي اتخذها رئيس الوزراء نوري المالكي لعزل نائبه والاتهامات ضد نائب الرئيس بالتورط في الإرهاب.

ومع ذلك فإن الطائفية العنيفة في العراق، والتي بدت مؤخرا في شكل التفجيرات القاتلة التي استهدفت الحجاج الشيعة، ترتبط فقط بالوضع السياسي المعقد الراهن في توقيتها. ويستفيد تنظيم القاعدة والمجموعات التابعة لها من العملية السياسية المضطربة ويأمل في جر العراقيين التقليديين إلى صراع مفتوح.

إن السنة والشيعة في العراق لا يقتلون بعضهم بعضا اليوم، ولكن الجهاديين العنيفين هم من يقتلون كلا من السنة والشيعة. فقد أعلن مسؤولو الأمن أن جنديين من السنة تصارعا مع الانتحاري ليبعداه عن الحجاج الشيعة بالقرب من الناصرية.

وأيضا ليست الأزمة السياسية كلها طائفية. ففي مناسبتين منذ مذكرة اعتقال نائب الرئيس السني طارق الهاشمي، استخدم المالكي سياسة القوة الداخلية الشيعية لاستعراض عضلاته؛ حيث قام أولا بالتهديد غير المباشر لحلفائه، الصدريين، بمذكرة الاعتقال المنتظرة منذ فترة طويلة ضد مقتدى الصدر. ثم قام المالكي بعد ذلك بإدخال ميليشيا عصائب أهل الحق، الصدرية سابقا، إلى الساحة السياسية كثقل مفيد مضاد للصدر. وقد تم سريعا دفن موضوع مذكرة توقيف الصدر، ولكن الحكومة مازالت مصرة على إعادة أحد أعداء الصدر إلى الطاولة.

وكانت كتلة العراقية المدعومة سنيا منقسمة سلفا، حيث شهد هذا الفصيل الأبيض الذي ظل في البرلمان كمعارض للحكومة انشقاقات في الشهور الأخيرة حول موضوع الحكم الذاتي للأكراد. وحول موضوعات مثل الفيدرالية، لم يكن هناك أبدا انقسام طائفي حيث إن كلا من الطرفين الشيعي والسني منقسم فيما بينه.

وعلاوة على ذلك، فقد رفض رئيس البرلمان، أسامة النجيفي السني، التخلي عن منصبه عندما دعا قائد كتلته إياد علاوي إلى مقاطعة البرلمان، وليس ذلك فحسب بل إنه نأى بنفسه علنا عن المقال الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الذي كان موقعا ظاهريا باسم كل من النجيفي وعلاوي ووزير المالية رافع العيسوي. وقبل ايام تحدى سبعة نواب من نواب العراقية في البرلمان قائد كتلتهم وعادوا إلى البرلمان برسالة قوية: "الحوار هو الحل الوحيد."

كما أن الخلافات الداخلية في الأحزاب المدعومة سنيا هي حقيقة أخرى يمكن إثباتها تدل على أن الرواية السنية الشيعية معيبة ومتصدعة. فالنجيفي على اتصال وثيق بالمالكي استعدادا للمؤتمر الوطني الذي يهدف إلى تسوية المأزق السياسي في وقت لاحق من هذا الشهر.

وربما يكون هذا واضحا بالنسبة للبعض، ولكن كثيرا من الناس يبدو أنهم ينسون أن علاوي والمالكي، وهما أكبر سياسيين على خلاف منذ الانتخابات السابقة، كلاهما شيعي. ولكن المصادفة أن أحدهما علماني والآخر إسلامي. إن هناك صداما شخصيا في المباراة السياسية الدائرة في العراق لا علاقة له بالطائفية.

ومن المثير للاهتمام، بل وربما أكثر دلالة، أن آية الله السيستاني ألقى باللوم على الساسة في الأزمة الأخيرة دون أن يتحيز لأحد. وفي عام 2005 وقف السيستاني بجوار الأحزاب السياسية الشيعية وساعدها على الحصول على السلطة. واليوم يرفض السيستاني مقابلة السياسيين، بغض النظر عن الطائفة التي ينتمون إليها، لأنه يؤمن أنهم فشلوا في تقديم الخدمات. ومرة أخرى، هناك تعقيد بين النجف وبغداد قائم حاليا لا يجد انتباها كبيرا.

إن المنافسة السياسية، وليس الطائفية، هي التي تهيمن على السياسة العراقية.

 

سياسة العراق مشكلة العراق

كريستوفر هل

لقد أصبحت قصة العراق المعاصر وكأنها منقوشة على الحجر: فالقوات الأمريكية تستعد للرحيل، والبلد في طريقه إلى الانهيار.

 

 ويُقال لنا إن العراق أصبح على وشك التحول إلى دولة استبدادية مرة أخرى، ولكن هذه المرة تحت حكم السياسي الشيعي نوري المالكي، الذي كان رئيساً للوزراء منذ عام 2006.

 

والادعاء بأن خروج القوات الأمريكية هو السبب وراء المشاكل السياسية المستمرة التي يواجهها العراق، أو أن هذه المشاكل قد تتحسن إذا عادت القوات، لهو أمر لا يصدقه إلا أمريكي يؤمن بنظرية "الأنا فقط". الواقع أن ليس كل ما يحدث في العراق يعكس وجود ــ أو غياب ــ القوات الأمريكية.

 

إن المشاكل السياسية في العراق هي من صنع العراق، ولابد أن يحلها العراقيون. صحيح أن الوساطة الخارجية من الممكن أن تساعد، ولكن لا ينبغي لأحد أن يتوهم أن القوات الأجنبية، التي عملت طيلة ثماني سنوات كقوة احتلال بعد الغزو، قد تكون مثالية لهذه المهمة.

 

كثيراً ما يستخدم مصطلح "التحيز الحضري" لتفسير ظاهرة يتلقى بموجبها سكان المدن حصة غير متناسبة من موارد وفوائد المجتمع. ولكنه من الممكن أن يشير إلى أمر آخر: محاولة الأجانب فهم دولة ما استناداً إلى تفاعل غير متناسب مع سكان الحضر على حساب هؤلاء الذين يعيشون في مناطق ريفية يصعب الوصول إليها.

 

في العراق، يكشف لنا قضاء بعض الوقت في بغداد أن السُنّة والشيعة العراقيين تعلموا كيف يتعايشون معا، وأن التزاوج بين الطائفتين شائع، وأن القضايا المتعلقة بالناس تميل إلى العلمانية أكثر من الطائفية. ولكن ليس كل العراقيين يعيشون في بغداد. فالقبائل خارج العاصمة في منطقة الأنبار ذات الأغلبية السُنّية، أو في منطقة جنوب العراق ذات الأغلبية الشيعية تكشف عادة عن بلد أكثر تكريساً للانقسام السُنّي الشيعي. ولم تبدأ هذه الظاهرة بالغزو الذي قادته الولايات المتحدة، بل إنها كانت سابقة للغزو بألف عام.

 

إن الكيفية التي يقسم بها الناس في المجتمعات أنفسهم إلى جماعات - تبعاً للتقسيمات المتعلقة بالقبيلة أو الهوية الطائفية أو العرق أو المنطقة، أو تبعاً للمواقف المختلفة بشأن دور الحكومة - تشكل في واقع الأمر الجوهر الحقيقي للسياسة. ومن الواضح أن الهويات السياسية تتغير كلما زادت الحداثة التي تعمل على إبراز العوامل الاقتصادية الاجتماعية. والعراق ليس محصناً ضد مثل هذه التحولات الطارئة على الهويات السياسية.

 

ولكن في الوقت الحالي يتلخص واقع العراق في حقيقة مفادها أن أغلب العراقيين، وخاصة هؤلاء الذين يعيشون خارج العاصمة، ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم سُنّة وشيعة. وتساهم الحقيقة التالية في صياغة هذا الواقع: على مدى عقود من الزمان كان العراق خاضعاً لحكم وحشي يفتقر إلى الفعالية والكفاءة. ومن المفهوم ألا يريد الشيعة عودتهم الآن.

 

أثناء فترة الإعداد لانتخابات عام 2010، نحى السُنّة خلافاتهم الداخلية جانباً وتوحدوا تحت حزب سياسي واحد باسم القائمة العراقية (الحركة الوطنية العراقية). ومن المؤكد أن منظمي الحركة يكرهون وصفه بالحزب السُنّي. بل إنهم يصفونه بدلاً من هذا باعتباره حزباً وطنياً يدعو الناس من كل الانتماءات والاتجاهات إلى المشاركة.

 

والواقع أن هذه الرؤية تلقى شعبية كبيرة بين هؤلاء الراغبين في رؤية شكل أقل طائفية من أشكال السياسة في العراق. ولكن داخل العراق هناك قِلة من العراقيين - من السُنّة أو الشيعة - الذين لا يرون القائمة العراقية باعتبارها حزباً مكرساً لاستعادة الزعامة السُنّية.

 

بموجب نتائج الانتخابات العامة التي جرت في مارس 2010، حصل حزب القائمة العراقية على 91 مقعداً برلمانيا، وهو ما يزيد بمقعدين عن صاحب المركز الثاني ائتلاف دولة القانون تحت زعامة المالكي. ولكن حزب القائمة العراقية لم يتمكن من تشكيل حكومة ائتلاف؛ بل إنه فشل في اجتذاب نائب واحد إضافي، ناهيك عن الحصول على المقاعد الـ72 الضرورية للسيطرة على 163 مقعدا للحصول على أغلبية المجلس التشريعي الذي يتألف من 325 معقدا. ومن ناحية أخرى، كان بوسع المالكي بعد حصول حزبه على 89 مقعداً أن يمد يده إلى الأحزاب الشيعية الأخرى والأكراد، لينجح في النهاية في تجميع حكومة "وحدة وطنية" والحصول على فترة ولاية ثانية كرئيس للوزراء.

 

إن اقتصاد العراق يسير متعثراً في الاتجاه الصحيح، وكذلك حال ظروفه الأمنية، على الرغم من الهجمات الأخيرة على زوار الأماكن الشيعية المقدسة (والتي نفذها على الأرجح تنظيم القاعدة في بلاد ما بين النهرين أو غيره من التنظيمات السُنّية المتطرفة). ولكن السياسة العراقية تظل معقدة إلى حد كبير، ويتعين على زعماء السياسة أن يرتفعوا إلى مستوى الحدث.

 

على سبيل البداية، ينبغي للمالكي أن يفعل ما لم يفعله أحد في الشرق الأوسط منذ مدة طويلة: فالآن يتعين عليه أن يدير الخد الآخر وأن يقاوم إغراء ملاحقة خصومه.

 

ويتعين على السُنّة من ناحية أخرى أن يتعودوا على كونهم مجرد أعضاء في تحالف، بدلاً من زعماء له. ذلك أن قاعدة الأغلبية الشيعية حقيقة ثابتة من حقائق الحياة، على الأقل ما دام المواطنون العراقيون يربطون هوياتهم السياسية بانتماءاتهم الطائفية. وسوف يُحسِن زعماء القائمة العراقية صنعاً بإظهار المزيد من الكفاءة في الحكم بدلاً من تأجيج التوترات، وهو ما أظهر نائب الرئيس والزعيم السُنّي طارق الهاشمي ولعاً شديداً به عندما صرح بأن المالكي مجرد صدّام آخر. (الواقع أن الشيعة، حتى أولئك الذين لا يحبون المالكي، لا يحبون أن يسمعوا مثل هذا الكلام من سُنّي).

 

قد يكون بوسع بلدان عربية أخرى ذات أغلبية سُنّية أن تساعد في التوصل إلى تفاهم مع حكم الأغلبية الشيعية في العراق. فقد عملت هذه البلدان على تسوية الخلافات داخل الطائفة السُنّية العراقية. وربما كان بوسعها أن تعمل على تيسير المصالحة السُنّية الشيعية أيضا، وأن تكف عن الإشارة إلى أن الشيعة العراقيين بوصفهم وكلاء لإيران. ولا شك أن احتضان العراق بدلاً من تقويضه سوف يشكل بداية طيبة لتحقيق هذه الغاية.