استبداد الولي الفقيه
هل من زوال
لبنى أحمد
يقترن الاستبداد كإحدى ظواهر علم الاجتماع السياسي، بالتراكم الزمني والعملي، فهو مجموعة معقدة ومتشابكة من الأسباب والآليات والدوافع تتداخل فيه جملة متغيرات ذاتية وموضوعية بأبعاد متعددة المستويات. ويعرّف الاستبداد لغةً بالانفراد، وإذا ما استبد الحاكم بالسلطة، فإنه أخذها لنفسه ولم يشارك فيها أحداً ولم يستشر، فهو مستبد. وهو ما عبّر عنه الملك فريدرك الثاني بقوله لقد انتهيت أنا وشعبي إلى اتفاق يرضينا جميعاً، يقولون ما يشتهون، وأفعل ما أشتهي. وقد يلتقي الاستبداد و«المقدس لإضفاء الشرعية على سلطة الحكم، في كثير من الأحيان، في محاولة تغييب الإرادة الإنسانية وإحكام العقل، ضمن منطق القطيع، الذي لا يعرف النقاش أو الاعتراض، في حشد سهل التوجيه لما تريده النخبة المتسلطة، الأمر الذي ينتهي بدوران الأكثرية في فلك أشخاص، بكل ما يحمله الدوران من انعكاسات سلبية على سلوكيات الناس وطبائعهم، كالتملق والخضوع والاتكالية والطاعة العمياء. بينما تقتصر المواقف المعارضة، على إشارات خجولة، لا تغني ولا تسمن، بل إنها ستكون عوناً في تعزيز سلطة المستبد وتلميع صورته، فمع الدين وشرعته لا مجال للاجتهاد أو الرفض. وتنشط الممارسة الأبوية في النظم الفردية، التي من بين مفاعيلها تخويف الأفراد من ممارسة النقد، أو معارضة التيار السائد، بدعوى الحفاظ على وحدة الصف، وتجنباً لإثارة الفتن الداخلية، واحتراماً للرموز الجمعية وقياداتها، وفي سبيل ذلك يجرى تأويل النصوص، وتحريف المفاهيم، وتنتشر الأدبيات القائمة على ثقافة الصمت، وهز الرؤوس. وثمة جانب آخر يجعل من السلوك الاستبدادي مغالياً في ردود أفعاله، عندما يركز زاوية نظره على هواجس ومخاوف، فالديكتاتورية المعمّمة في طهران مثلاً، بلغت ذروتها مع احتلال العراق عام 2003، وعملت على أحكام القبضة عليه من ادعاءات مذهبية ومنطلقات مصلحية وأبوية، مستثمرةً مستجدات المشهد السياسي العراقي، لتعزيز جبهة صراعها مع الولايات المتحدة، صناعة للعراقيين موعداً مع الموت، اتسم بالبشاعة والوحشية اشتركت فيه المليشيات الشيعية و«القاعدة السنية على حد سواء، بوحي من إملاءات الولي الفقيه. ولايزال جدل الذات والآخر حديث يرافق مسار الديكتاتوريات العتيدة، انطلاقاً من منطق الغلبة والهيمنة، لتسيير كل الإمكانات وتوظيفها في سبيل وضع الآخرين، شعوباً وثقافات وحضارات تحت يد المستبد، ووفقاً لغاياته ومصالحه. ولا مكان للمتعدد والمختلف، إلا إذا كان الأخير قابلاً للإذعان والخضوع. فإنه يتضمن من دون شك معنى نفي الآخر، وعدم الاعتراف به مشاركاً في الحق العام. ويقدم هذا التحليل افتراضاً يقوم على عداء يكنه الآخر لاعتبارات دينية وثقافية وعرقية وسياسية، بهدف إيقاع الضرر بهذه الدولة أو تلك، ما يعطي المبرر للقيام بأفعال قد تخلو من الأخلاقية والمعايير الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان. وعلى عقيدة معي أو ضدي في الممارسة السياسية، فإن ما تفعله النظم المستبدة من سلوكيات، يعبر عن مكيافيلية تقول عليك أن تخيف الآخر بدل أن تكسب حبه لك. ولهذا تبدي المؤسسات السياسية في هذه النظم، غروراً واضحاً في علاقاتها الدولية، متخذةً مواقف صارخة من الفوقية والاستعلاء، لا مكان فيها لمراعاة مصالح المختلف. وقد يتمسح الاستبداد بالقانون، لتنفيذ أحكام قضائية، أو تطبيقاً لقانون وضعه مشرعون، وقد صمم على مقاسات الحاكم لتعزيز سلطته، ولهذا لا يكفي تمييز فعل الاستبداد عن غيره، بمجرد النظر فيما إذا كانت تصرفات الحاكم تسير على مقتضى القانون أم لا، فالتزام القانون لا يكفي وحده لنفي صفة الاستبداد عن الحكم. كقوانين منع المرأة من العمل وقيادة السيارة، وقطع الآذان وجدع الأنوف. ففي الصين القديمة كانت إحدى المدارس الفلسفية الشهيرة تؤمن بأن الإنسان في الأصل ذو طبيعة شريرة، وأن الطريقة الخيرة التي يتصرّف بها سببها في الغالب تأثير البيئة الاجتماعية، خاصة تعلم الطقوس الدينية وضوابط قوانين العقوبات، وكانت تؤمن بالمبدأ القائل: إن قانوناً واحداً مقترناً بعقوبات شديدة لضمان تنفيذه أفضل من كل كلمات الحكماء لحفظ النظام، كما كان حكماء الهند يؤمنون بأن الإنسان بطبعه جشع، وأنه إذا ما تُرك له العنان فإنّ العالم سيتحوّل إلى ورشة للشيطان يسود فيها منطق السمَك، أي أنّ الكبير يأكل الصغير. وبقيت معادلة الفرد والجمع، تصارع في تثبيت الحقوق والحريات، وفي كل مرة يكون القانون حاضراً، سواء مع الحاكم الذي يمتثل للقوانين، أو الحاكم الذي يقول إنا القوانين. ويكتمل إحكام حلقة الاستبداد، في حال تعارض التطلعات الشعبية مع ما يتخذه الحاكم من قرارات وما يصنعه من سياسات، وينظر له كخروج عن السلطة، ولابد من إسكات المعارضين ومعاقبتهم بوصفهم مارقين. يكملها الاعتقاد بوجود مؤامرة ما أو مؤامرات تحاك لنا، وأيدٍ خفية تعبث بالاستقرار الداخلي، وهذا يتطلب اتخاذ مواقف حاسمة، تصل حد العقاب بالموت والقتل الجمعي إذا ما تطلّب الأمر، لمنع تصدع البنية السياسية، والحفاظ على كينونة السلطة وبقائها. وتحكي قصص الطغاة مع شعوبهم ازدواجية تصل حد الخرافة، إذ يقدم الحاكم المستبد نفسه بوصفه قائداً وأباً يلجأ إليه الناس في شدائدهم، وفي الوقت ذاته تصل قسوته حد إنزال أقسى صور العقاب والاستئصال، بمن تسوّل له نفسه معارضته أو التحريض ضده. لينتقل في استعراضات سياسية من حنون وأب وقائد وملهم وشجاع ومحنك وفيلسوف، ليصل بعدها إلى الحاكم-الإله، فإذا قال بأمر، يعني قالت البلاد بأسرها قولته نفسها. نستذكر هنا حافظ وصدام والقذافي وخامنئي. ولا يصح دائماً الرأي القائل إن الحاكم المستبد رجل يصل إلى الحكم بطريق غير مشروع، كأن يكون قد اغتصب الحكم بالمؤامرات، أو الاغتيالات، أو القهر، أو الغلبة، فهو كل شخص ما كان له أن يحكم لو سارت الأمور سيراً طبيعياً، وهو لهذا كما يقول عبدالرحمن الكواكبي يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم من نفسه أنه الغاصب والمعتدي فيضع كعب رجله في أفواه ملايين من الناس لسدها عن النطق بالحق. وقد يكون لصناديق الاقتراع في أحايين عدّة دور في استقدام الطغاة إلى سدة الحكم، والمالكي نموذجاً، تمكن من الاستحواذ على السلطة ليستفرد بها، عبر عمليات متتابعة من استئصال الآخر المختلف مذهبياً وسياسياً، مرة تحت دواعي الإرهاب، وتارة تحت ذرائع التخطيط لقلب نظام الحكم والقيام بانقلاب عسكري. لتدخل الممارسة السياسية في دوامة الاستبداد والتفرد بالحكم. ويبدو أن المالكي يتكئ على فضيلة قديمة في بلاد ما بين الرافدين عموماً وبابل بصفة خاصة، ألا وهي الطاعة التامة، والخضوع للسلطة، كما أكدتها المقولة القديمة اسمع كلمة أمك كما تسمع كلمة إلهك، واسمع كلمة أخيك الأكبر كما تسمع كلمة أبيك. بل إن الطاعة والانقياد للسلطة حازا القبول الشعبي في لحظة معينة، عندما استحضرت الهويات الفرعية الطائفية، ليكون سلوك المالكي الفردي والاستبدادي، مقبولاً بل ومحموداً، لأنه يعلي بيضة المذهب! ويبقي الحكم بيد الشيعة، بغض النظر عن قبائح سياساته وعهر مواقفه. ولكن وإن طال بالطغاة المقام مصيرهم إلى زوال