المُكلف بحماية الدستور يخرق الدستور!

صباح علي الشاهر

 

إنتهت صلاحية مجلس البرلمان العراقي، أصبح (إكسباير) بعد أن أمضى أربع سنوات ثقال وهو يُسمع الناس جعجة من دونما طحين، أصبح مفعولة بعد إنقضاء مدّة الصلاحية أكثر أذية وخطراً، لذا ينبغي الإسراع في طي صفحته .

لقد إنقضت مرحلة، شديدة البؤس، هي أقرب للمأساة منها للملهاة، تم فيها، وعبر عملية إحتيال كبرى سرقة إرادة الناس، عبر تحويل أصواتهم إلى  أرقام،  ومن ثم تحويل هذه الأرقام إلى أشخاص، سيدعون فيما بعد تمثيل الشعب، رغم أن الشعب لا يعرف أكثرهم ، ولم يصوت لهم قط ، بل صوت لثلاث خمسات، أو ثلاث أربعات، أو ما لا أدري أي رقم هو.

الأرقام التي تحوّلت إلى أشخاص أدت ما عليها، وقبضت ما كان مقسوماً لها. تمتعت بإمتيازات لا مثيل لها، ومررت قرارات عار لا مثيل لها أيضا، كالمعاهدة العراقية الأمريكية .

قال البعض متندراً البرلمان العراقي برلمان متعدد الجنسيات، وهو بهذا يُشير إلى تصريح النائب بهاء الأعرجي الذي قال فيه أن 50 نائباً في البرلمان يحملون جنسيات أخرى ، وفي الحقيقة الرقم أكبر من هذا بكثير، فالأعرجي ذاته يحمل الجنسية البريطانية ولعله نسى أو تناسىى أن يضيف اسمه للرقم الذي ذكره، وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن السيد رئيس البرلمان يحمل الجنسية البريطانية، وكذا رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم الجعفري والرئيس الذي سبقه إياد علاوي، والذي ظل محتفظاً بعضوية البرلمان وامتيازاته رغم أنه لم يحظر ولا جلسة برلمان واحدة ، ونائب الرئيس طارق الهاشمي ، ونائب الرئيس الآخر عادل عبد المهدي الذي يحمل الجنسية الفرنسية، ومن بين كل المسؤولين العراقيين في الحكومة والرئاسة والبرلمان لم يتخل أحد عن جنسيته الثانية ، ما خلا مام جلال الذي أعاد جنسيته السورية إلى سوريا مع كتاب شكر، لكن مام جلال لم يتطرق إلى الجنسيات الأخرى التي يحملها ، مثل الجنسية الإيرانية مثلاً ، وغيرها من الجنسيات .

ليس البرلمان العراقي فقط هو المتعدد الجنسيات، وإنما مجلس الوزراء، ومجلس الرئاسة ، أما السلك الدبلوماسي فهو هيئة أمم.

بلد تحتله قوات متعددة الجنسيات، توكل فيه مهمة التشريع لبرلمان متعدد الجنسيات، و مهمة السلطة التنفيذية لحكومة متعددة الجنسيات، مثلما توكل الرئاسة لهيئة رئاسة متعددة الجنسيات، كيف يتجرأ أي مسؤول فيه عن الحديث عن السيادة، اللهم إلا إذا كان هذا المسؤول يشكو من خلل في مداركه،  أو يظن  الخلل في مدارك الآخرين ؟

بحكم المادة 18 من الدستور فإن المسؤولين العراقيين الذين يتولون مناصب سيادية رفيعة ملزمين بالتخلي عن جنسياتهم الأجنبية،  وهي مادة ليست واضحة فقط ، بل شديدة الوضوح، وإستناداً إلى هذه المادة الدستورية أصدر مجلس الوزراء، وفي عهد المالكي ذاته، قانوناً يقضي بإلزام الذين يشغلون المناصب العليا، بالتخلي عن جنسياتهم المُكتسبة ، وهذه القوانين تشمل هيئة الرئاسة، وأعضاء البرلمان، والوزراء، والمحافظين، ورؤساء مجالس المحافظات، وأعضاء الأجهزة الأمنية، والقوات المسلحة، والسفراء، لكن السيد رئيس الوزراء لم يفعّل هذا القانون مطلقاً، بل على العكس كافأ وزيراً مُزدوجاً فاسداً كان مطلوباً للعدالة بإحالته على التقاعد، بعد قليل من تصريح ممثل بريطانيا بلد الجنسية الثانية للوزير المرتشي، بأن بريطانيا لا تسمح بإعتقال الوزير لأنه من رعاياها ، وأخرجه من البلد سالماً غانماً لينعم بمئات الملايين التي إختلسها من قوت الشعب ، وكان الجيش الأمريكي قبل هذا قد قام بالهجوم على أحد السجون العراقية ، وأخرج  عنوة وزيراً مُزدوجاً فاسداً آخر حكم عليه من قبل القضاء العراقي لثبوت تهمة الفساد والرشوة عليه ، وأرسل بطائرة خاصة إلى بلده أمريكا التي عينته وزيراً في بلده الأول الذي قام بسرقته والإحتيال عليه.

أما المحروس مجلس البرلمان، فقد ناقش هذا الموضوع ( موضوع إزدواج الجنسية) لكنه لم يتخذ قراراً، حيث وقفت جميع الكتل بوجه إقرار مثل هكذا قانون، وبالتالي فقد تم، وليس للمرة الأولى، تجاهل النصوص الصريحة في دستورهم الذي يتغنون به نفاقاً .

يمكن القول إستناداً لا إلى قرار السلطة التنفيذية ، وإنما إلى نص الدستور أن  وجود ربع أعضاء البرلمان من المزدوجين يكون (حسب القانون والدستور) وجود غير شرعي وباطل .

إذا كان البرلمان لا قرار له لأنه غير مستقل، تتحكم به وبقراراته لا المصلحة الوطنية ، ولا حتى نصوص الدستور، وإنما التوافقات السياسية بين الكتل والكيانات، وهذا أمر ليس من السهل إخفاءه أو التعتيم عليه، فإن هيئة زعموا أنها مستقلة، مكلفة بالتقيد ببنود الدستور، كالمفوضية العليا المستقلة للإنتخابات كان لزاماً عليها إمهال النواب فترة محددة للتخلي عن جنسياتهم المكتسبة إعمالاً لمنطق الدستور، وإلا يصار إلى إستبعادهم من البرلمان وبحكم الدستور النافذ، وعندما يكون البرلمان متخلصاً من كونه متعدد الجنسيات ، بمعنى إذا أصبح عراقياً خالصاً، فإنه بحكم عراقيته هذه سيتجه للطلب من السلطة التنفيذية بأستبعاد الوزراء والمسؤولين ممن لم يتخلوا عن جنسياتهم المكتسبة كي تكون هذه السلطة التنفيذية سلطة عراقية خالصة،

البرلمان لم يفعل شيئاً، قبل أن يكون متعدد الجنسيات، والهيئة المستقلة ( للكشر) لم تتجاهل هذا الأمر وكأنها غير معنية به، بل تجاهلت الأعداد الغفيرة من المترشحين الجدد  للبرلمان من مزدوجي الجنسية ، والذين لم يقيّض لبعضهم رؤية العراق منذ أربعين عاماً ، أو الذين لم يمكثوا فيه مدّة شهر، وبدل من هذا لاحقت أولئك الذين لم يغادروا أرض العراق بالإجثاث ، وكأني بها تريد إجتثاث العراق من البرلمان القادم .